اليمن يطلق استراتيجيته الوطنية الصحية (2026–2030) لمواجهة عبء مرضي ثلاثي وإعادة بناء القطاع الصحي

‏  7 دقائق للقراءة        1300    كلمة

دشّنت الاسبوع الماضي في العاصمة المؤقتة عدن، الاستراتيجية الوطنية للصحة للأعوام (2026–2030)، التي تم إعدادها بقيادة وزارة الصحة العامة والسكان وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والعديد من الشركاء الدوليين والمحليين، لتكون بمثابة إطار مرجعي موحد لجميع الفاعلين في المجال الصحي خلال السنوات الخمس المقبلة.

تقرير خاص/عوافي

تستهدف الاستراتيجية انتشال القطاع الصحي في اليمن من أزمته الممتدة، وإعادة ترتيب أولوياته، والانتقال به من إدارة الأزمات والاستجابة الطارئة إلى بناء نظام صحي وطني أكثر قوة وعدالة ومرونة واستدامة، وتأسيس مرحلة جديدة من التعافي الشامل.

واقع صحي معقد وعبء ثلاثي متزايد

تأتي هذه الاستراتيجية بديلةً للخطط السابقة (2010–2025) التي لم تعد تعكس الواقع الميداني المعقد. إذ يواجه اليمن حالياً عبئاً ثلاثياً خطيراً وناتجاً عن أعباء سنوات الحرب التي طالت خدمات صحة الأم والطفل والتحصين والتغذية ومكافحة الأوبئة وعلاج الأمراض المزمنة والاستجابة للطوارئ، ويتمثل هذا العبء في:

الوفيات والأوبئة: ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والمواليد والأطفال، وانتشار سوء التغذية المتفشي، والأوبئة المتكررة (مثل الكوليرا والإسهال المائي الحاد والأمراض المنقولة بالنواقل).

الأمراض المزمنة والنفسية: تزايد الأمراض غير السارية والإصابات، واحتياجات الصحة النفسية المتصاعدة.

الصدمات والهششاشة: التأثر البالغ بالصدمات والكوارث المناخية والهششاشة المؤسسية.

وتزداد حدة هذه الأزمة في ظل عجز حاد في الوصول إلى الخدمات الأساسية؛ إذ لا يستطيع نحو 40% من السكان الوصول إلى رعاية التوليد الطارئة أو الرعاية الجراحية في غضون ساعتين.

التحديات الهيكلية المباشرة

تُبرز الاستراتيجية مجموعة من التحديات الهيكلية التي تضعف كفاءة النظام الصحي، من أبرزها:

نزيف العقول والكوادر: تشير التقديرات إلى هجرة نحو 35% إلى 40% من العاملين الصحيين ذوي المهارات، بينما يتجه 10% من خريجي الكليات الطبية والصحية للعمل في قطاعات أخرى بعيدة عن التخصص.

تشتت أنظمة المعلومات: يعاني القطاع من غياب الحوكمة الموحدة للبيانات وتعدد المنصات المنفصلة (مثل DHIS2، وeIDEWS، ونظام الترصد التغذوي، ونظام eLMS، وغيرها)، والتي غالبًا ما تُجمع بياناتها لأغراض إعداد التقارير فقط دون استخدامها بشكل منهجي في اتخاذ القرار والتخطيط.

أزمة التمويل: تعتمد الخدمات الصحية بشكل مفرط على الدعم الخارجي والإنفاق المباشر من جيب المواطن، وذلك في ظل محدودية الإيرادات الوطنية وتراجع التمويل الصحي العالمي.

المرتكزات، التحولات، والأولويات الاستراتيجية (2026–2030)

تعتمد الاستراتيجية الجديدة على خمسة مرتكزات رئيسية تشكل الإطار العام للتحول الصحي، وتتمثل في:

تعزيز الحوكمة والقيادة.

تطوير الخدمات والرعاية الصحية.

الاستثمار في الموارد البشرية.

تحسين كفاءة إدارة الموارد والتمويل.

تعزيز قدرة النظام الصحي على الصمود والاستجابة.

وتتجسد هذه المرتكزات من خلال ثلاثة تحولات رئيسية:

الانتقال التدريجي: التحول من مرحلة الاستجابة الطارئة المؤقتة والخدمات المجزأة إلى التعافي المؤسسي وحماية الوظائف الأساسية للنظام الصحي بقيادة وطنية.

الاستجابة المتكاملة للعبء المرضي: تعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتوفير الأدوية الأساسية، وتطوير شبكات الإحالة ورعاية الطوارئ.

الأمن الصحي المستدام: تحويل إدارة الأمن الصحي والطوارئ إلى وظيفة روتينية ومؤسسية متعددة القطاعات ضمن النظام الصحي بحلول عام 2030، بدلاً من الاعتماد على آليات تفاعلية خارجية تُفعّل أثناء الأزمات فقط.

الاستقرار المالي والد الموارد:

لتحقيق الاستقرار المالي، يُنتظر أن يلعب «صندوق الصحة» (المُنشأ بموجب القرار الجمهوري رقم 2 لعام 2026) دوراً حيوياً في حشد الموارد وتأمين استدامة تشغيل المرافق وتعزيز الشفافية، شريطة اندماجه الكفء مع الإدارة المالية العامة وتطوير آليات تمويل صحي أكثر استدامة وشفافية وكفاءة.

توطين الصناعات الدوائية والشراكة مع القطاع الخاص

أبرزت قيادة وزارة الصحة ملف توطين الصناعات الدوائية وتعزيز الأمن الدوائي، مؤكدة على أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي بما يسهم في توفير الاحتياجات الدوائية وتقليل الاعتماد على الخارج، وكذلك الفرص الاقتصادية والرقابة: فتح فرص اقتصادية واستثمارية بالتوازي مع تطوير المنظومة الرقابية لضمان جودة الأدوية وسلامتها.

وشددت على أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، وضرورة أن يضطلع بدور أكبر خلال المرحلة المقبلة، وإقامة شراكة حقيقية ومتكاملة مع القطاع العام لتطوير البنية الصحية وتوسيع نطاق الخدمات وتحسين جودتها.

منهجية الإعداد وخارطة التنفيذ المرحلية

أُعدت الاستراتيجية خلال الفترة من أكتوبر 2025 إلى يوليو 2026 وفق منهجية قائمة على الأدلة وشاملة لكافة المستويات، مستندة إلى قراءة للتحديات والاحتياجات القائمة واستشراف متطلبات المرحلة. وشملت المنهجية مراجعة مكتبية لأكثر من 150 وثيقة، وإجراء 37 مقابلة مع خبراء رئيسيين، إضافة إلى ورش عمل ومشاورات مكثفة (من بينها ورشة صياغة المسودة في القاهرة) بمشاركة قيادات وكوادر الوزارة والسلطات المحلية والخبراء والمختصين والشركاء المحليين والدوليين.

وسيجري تنفيذ الخطة عبر مرحلتين متتاليتين:

المرحلة الأولى (2026–2027): تركز على إرساء الأسس الهيكلية، وتحديث حزمة الحد الأدنى من الخدمات، ومعالجة قيود القوى العاملة والإمداد الدوائي، وتوحيد أنظمة البيانات.

المرحلة الثانية (2028–2030): تستهدف توسيع نطاق التدخلات الناجحة، وتعزيز الملكية المؤسسية، وتطوير إدارة الصحة في المديريات، وضمان الجاهزية والاستجابة المستدامة.

 المواقف الرسمية والدولية والدعوة للشراكة

رئيس مجلس الوزراء (د. شائع محسن الزنداني):

أكد أن الاستراتيجية تمثل «التزاماً وطنياً» ومساراً عملياً ومرجعية وطنية للعمل الصحي خلال السنوات الخمس المقبلة. وأوضح أن المرحلة تتطلب الانتقال «من الاستجابة الطارئة إلى التعافي المستدام، ومن إدارة الأزمة إلى بناء القدرة». ودعا الوزارات والسلطات المحلية إلى مواءمة خططها مع أولويات الاستراتيجية، ومعالجة المحددات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المؤثرة في صحة المواطنين.

كما وجه دعوة لشركاء اليمن الدوليين لمواصلة دعم القطاع الصحي بالتركيز على بناء القدرات الوطنية واستدامة الخدمات، قائلاً: «نحن لا نريد أن تتوقف الخدمات عندما ينتهي المشروع، ولا أن تتوقف القدرات عندما يتوقف التمويل».

وزير الصحة العامة والسكان (د. قاسم محمد بحيبح):

أوضح أن الاستراتيجية تمثل «خارطة طريق وطنية» تضع صحة الإنسان وكرامته في صدارة الأولويات، مؤكداً أن تدشينها هو «بداية مرحلة جديدة من العمل وليس نهاية المطاف». وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً على رفع جودة الخدمات وتوسيع الوصول إليها، ورفع كفاءة الكوادر الصحية وتأهيلها باعتبار الموارد البشرية حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي.

ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن (د. سيد جعفر):

أكد أن تدشين الاستراتيجية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز قيادة القطاع الصحي وترسيخ الأولويات الوطنية، مجدداً التزام المنظمة بمواصلة الدعم الفني والتقني لوزارة الصحة وشركائها، بما يعزز قدرات النظام الصحي الوطني ويدعم الوصول إلى خدمات صحية أكثر جودة وإنصافاً واستدامة.

مديرة مكتب البنك الدولي لدى اليمن (دنيا أبو غيداء):

أكدت أهمية الاستراتيجية باعتبارها إطاراً وطنياً جامعاً لتوجيه الاستثمارات والتدخلات الصحية وفق أولويات واضحة، مشيدة بالنهج التشاركي الذي اتبعته وزارة الصحة في إعدادها.

خطة الانتقال والخروج المنسقة:

تؤكد الاستراتيجية على ضرورة التزام جميع الشركاء في القطاعين الإنساني والتنموي، والقطاع الخاص، بالإطار المرجعي الجديد، وتجنب بناء أنظمة موازية. وإدراكاً للتراجع الحاد المتوقع في المساعدات الإنسانية الدولية بعد يناير 2027، تضع الاستراتيجية خطة انتقال وخروج منسقة تضمن نقل الموارد والإشراف والتمويل تدريجياً إلى المنظومة الوطنية لضمان استمرارية الخدمات الصحية لجميع المواطنين.