11 دقائق للقراءة 2116 كلمة
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد اليمن في التنبؤ بالأوبئة قبل انتشارها؟
أ.د. عبدالله سالم بن غوث
المدير التنفيذي للمعهد الوطني للصحة العامة
انتشرت في السنوات والأشهر الأخيرة مقالات وفعاليّات في المجلات الطبية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي عن أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة العامة. ورغم محدودية تكويننا المعرفي بالمستجدات التقنية واسقاطها على وظائف الصحة العامة في اليمن الّا أن الكم الهائل من النشر والاستعراض يلفت فضولنا لقراءة وتحليل القيمة الإضافية لهذه الاليات الرقمية وإمكانية توظيفها على الواقع الوبائي في اليمن.
فأجمل ما قرأت، تقريرين حديثين الأول عن تجربة المملكة العربية السعودية في استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ والاستجابة السريعة للطوارئ الصحية بما فيها الاوبئة خلال موسم الحج للعام 1447 هجرية (مايو 2026م). فموسم الحج ليس حدث ديني فحسب، بل هو أكبر تجمع بشري عالمي في زمن محدود ومنطقة محدودة يتوافد اليها ويرجع منها حركة بشرية من والى جميع انحاء العالم بخلفيات مناعية مختلفة، فأي انتشار لأي وباء من منطق الانتقال في موسم الحج هو أمن صحي عالمي.
ورغم أن المملكة العربية السعودية تتصدر الدول في تطبيق كل مكونات اللوائح الصحية الدولية منذ فترة طويلة الاّ أن ابداعات استخدام الذكاء الاصطناعي أعطى تميّزاً عالمياً للخبرة المحلية لأن إدارة الاوبئة الان تعتمد على البيانات، والتخطيط، والاستجابة المبكرة، والتكامل بين التقنية والصحة العامة. (تقرير حول تجربة السعودية في موسم الحج)
في تقرير اخر صادر عن المركز الدولي للاستشارات و الدراسات الاستراتيجية و الاعلام في لندن (ICCSSM) ، يستعرض فيه كيف أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على اكتشاف الأوبئة قبل أن تظهر أعراضها.
التقرير يشرح النماذج التقنية، أمثلة عالمية، وتحديات أخلاقية تواجه هذه المهمة الدقيقة حيث تشير التجارب الحديثة إلى أن التأهب للجائحات القادمة يعتمد بشكل متزايد على شبكات مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتعاون عالميًا لاكتشاف الإنذارات المبكرة مما يتطلب إعادة تشكيل آليات الرصد والتحذير والتدخل الصحي عالميًا.
ذكر التقرير استخدام أدوات غير تقليدية وتقنيات خوارزمية لتتبع وتحليل والتنبؤ بالأوبئة بالإضافة الى النماذج التقليدية لجمع البيانات. ومن هذا التقنيات:
-
التعلم الآلي (Machine Learning): تُستخدم خوارزميات التعلم الآلي لكشف التغيرات الدقيقة والأنماط الخفية في البيانات الصحية أو السلوكية، والتي قد تدل على بوادر تفشٍ وبائي.
-
الشبكات العصبية (Neural Networks): بفضل قدرتها على محاكاة العمليات المعقدة، تُستخدم الشبكات العصبية العميقة لمحاكاة مسارات تفشي الأمراض بناءً على متغيرات اجتماعية وبيئية متعددة. أظهرت دراسات حديثة تفوّق الشبكات العصبية على النماذج التقليدية في توقع أعداد الإصابات والوفيات بدقة أعلى، حيث تستطيع هذه الشبكات استيعاب الأنماط غير الخطية لتفشي المرض (مثل تأثير التغيرات المناخية أو السياسات الصحية على انتشار العدوى). (Kraemer MUG et al,2025)
-
نُظم المحاكاة (Simulation Models): تُستخدم نماذج المحاكاة الحاسوبية لتجربة سيناريوهات انتشار مختلفة وافتراض تأثير التدخلات المحتملة قبل وقوع الكارثة. وقد باتت نماذج المحاكاة أداة أساسية في رسم سياسات الاستجابة للجائحات والتخطيط لها، إذ تزوّد صناع القرار ببيانات مبنية على العلم حول أنجع الاستراتيجيات الاستباقية. (Kaur J et al, 2025)
ومن الأدوات غير التقليدية:
-
استخدام مستشعرات بيئية لرصد وجود فيروسات في مياه الصرف الصحي أو الهواء، مما يتيح اكتشاف الفيروس حتى قبل ظهور الحالات السريرية.
-
تحليل بيانات درجات الحرارة والرطوبة والعوامل المناخية التي تهيئ البيئة لتفشي الأمراض (مثل المناخ الملائم لتكاثر البعوض الناقل للأمراض). دمج هذه العوامل في نماذج التنبؤ يساعد على توقع بؤر التفشي الموسمية
-
تحليل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تتضمن كلمات مفتاحية مرتبطة بالمرض (مثل الشكوى من أعراض تنفسية جماعية في منطقة محددة). (MacIntyre CR et al, 2023)
-
مراقبة الزيادات المفاجئة في طلب الأدوية عبر المنصّات الإلكترونية
وفي حالة اليمن الذي يعاني من صدمات وبائية من حين لأخر ومتغيرات مناخية ومخاطر انتقال أوبئة وجائحات عابرة للحدود يتطلب تعزيز النظم الصحية للطوارئ ورصد الأوبئة والاستجابة لها بتقنيات غبر تقليدية منها الرقمنة الصحية واستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة العامة.
لدى وزارة الصحة العامة والسكان فرص لاستثمار الرقمنة الصحية في تعزيز الرصد الوبائي التكاملي والتنبؤ بالأوبئة والمخاطر الاخرى والتصدي لها من خلال مسارين بدأت ملامحهما في الأفق هما: أولا: نهج الصحة الواحدة الذي من خلاله بناء نظام رصد وبائي تكاملي مع القطاعات الأخرى مبني على الرقمنة الصحية. والمسار الثاني هو بناء نظام طوارئ صحية يتم من خلاله الاستجابة السريعة ضمن تكامل إقليمي ودولي.
وتشير التجارب الدولية الحديثة إلى أن الفرص المتاحة للنظام الصحي في اليمن، يتطلب لاستثمار المسارين المذكورة أعلاه كأولويات صحية أن يتم الاستثمار في الشباب وبناء قدراتهم في الرقمنة الصحية خصوصا في مجال الرصد الوبائي والطوارئ الصحية وتخصيص الجزء الأكبر من التعاون الإقليمي والدولي لهذين المسارين.
المراجع:
- Kaur J, Butt ZA. AI-driven epidemic intelligence: the future of outbreak detection and response. Front Artif Intell. 2025 Jul 30;8:1645467. doi: 10.3389/frai.2025.1645467.
- Kraemer MUG, Tsui JL, Chang SY, Lytras S, Khurana MP, Vanderslott S, Bajaj S, Scheidwasser N, Curran-Sebastian JL, Semenova E, Zhang M, Unwin HJT, Watson OJ, Mills C, Dasgupta A, Ferretti L, Scarpino SV, Koua E, Morgan O, Tegally H, Paquet U, Moutsianas L, Fraser C, Ferguson NM, Topol EJ, Duchêne DA, Stadler T, Kingori P, Parker MJ, Dominici F, Shadbolt N, Suchard MA, Ratmann O, Flaxman S, Holmes EC, Gomez-Rodriguez M, Schölkopf B, Donnelly CA, Pybus OG, Cauchemez S, Bhatt S. Artificial intelligence for modelling infectious disease epidemics. Nature. 2025 Feb;638(8051):623-635. doi: 10.1038/s41586-024-08564-w.
- MacIntyre CR, Chen X, Kunasekaran M, Quigley A, Lim S, Stone H, Paik HY, Yao L, Heslop D, Wei W, Sarmiento I, Gurdasani D. Artificial intelligence in public health: the potential of epidemic early warning systems. J Int Med Res. 2023 Mar;51(3):3000605231159335. doi: 10.1177/03000605231159335. Erratum in: J Int Med Res. 2023 May;51(5):3000605231178098. doi: 10.1177/03000605231178098.

