17 دقائق للقراءة 3282 كلمة
أصيل سارية
“بنتي تموت الحقوها” بهذه الكلمات المملؤة بالألم واليأس يتحدث والد تهاني عن ابنته التي تصارع الموت يوما بعد يوم. وكانت تهاني في الثامنة من عمرها حين بدأت قصتها تدخل في هذا التحقيق.
كان والدها يقول إنه أمضى سنوات يطرق أبواب الجهات الرسمية والمنظمات، ويبحث عن جهة يمكن أن تساعد طفلته، لكن الأبواب التي طرقها لم تفتح بما يكفي لإنقاذها.
من حكاية تهاني انطلقنا في هذا التحقيق لا بحثًا عن قصة طفل واحد، وإنما بحثًا عن أطفال آخرين يعيشون المعاناة نفسها، وعن إجابة للسؤال الذي ظل يكبر مع كل حالة: أين تذهب مليارات المساعدات التي وصلت إلى اليمن، ولماذا لا تمنع هذه الأموال وصول أطفال إلى مراحل متقدمة من الجوع والمرض؟
المستشفى محطة متكررة
وقاد البحث إلى مخيمات النزوح ومراكز التغذية والمستشفيات، وهناك بدت الإجابة أكثر تعقيدًا من رقم في تقرير تمويلي أو جدول للمانحين، ففي مخيم الخديش بمديرية عبس في محافظة حجة، تعيش أسرة جياد محمد جلال، الطفل الذي لم يتجاوز عامه الثاني، بعدما اضطرت الأسرة إلى مغادرة مديرية حرض بسبب الحرب.
وأصبح المستشفى محطة متكررة في حياة الطفل وأسرته، إذ يتلقى العلاج بصورة مستمرة بسبب إصابته بسوء تغذية حاد وتناقص وزنه إلى مستويات خطرة.
وبالنسبة إلى أم جياد، لا يظهر الجوع في تقرير إحصائي أو جدول لمنظمة إنسانية، بل في جسد طفلها الذي يحتاج إلى علاج ومتابعة، فالأسرة نازحة وفقيرة، والطفل مريض، والمستشفى أصبح جزءا من روتينها في محاولة لاستعادة ما فقده جسده.
ومن المخيم إلى المستشفى، تختصر قصة جياد المسافة بين السبب والنتيجة، فقبل أن يصل الطفل إلى مركز التغذية، تكون الأسرة قد قطعت طريقا أطول بدأ بالنزوح والفقر، وربما مرّ بنقص الغذاء والمرض وضعف القدرة على الوصول إلى خدمات صحية منتظمة.
لكن قصة جياد ليست حالة منفردة في عبس، فحسب معلومات ميدانية حصلت عليها الجزيرة، جرى توثيق أكثر من 200 حالة سوء تغذية خلال السنوات الثلاث الماضية في المنطقة.
وبينما تختلف الحالات في أعمار الأطفال وظروف أسرهم ودرجة سوء التغذية التي يعانون منها، فإنها تلتقي عند نقطة واحدة: طفل يصل إلى خدمة علاجية بعدما أصبح جسده شاهدا على أزمة سبقت وصوله إلى المستشفى.
وفي محافظة الضالع، تظهر الأزمة من سجل آخر، إذ استقبل مستشفى النصر، بحسب البيانات التي حصلت عليها الجزيرة، 269 طفلاً يعانون سوء التغذية الحاد منذ بداية عام 2026 وحتى أغسطس/آب من العام نفسه.

ولا يمكن جمع هذا الرقم مع الحالات التي سجلتها مرافق عبس أو مأرب لإنتاج رقم واحد، لأن لكل منطقة فترة تسجيل ومرفقاً صحياً وطريقة رصد مختلفة، لكن أهمية هذه البيانات تكمن في أنها تمنح صورة محلية عن الأزمة التي تظهر في أكثر من محافظة، وتكشف كيف تتكرر القصة نفسها بأرقام مختلفة من مكان إلى آخر.
وفي عبس هناك طفل نازح مثل جياد يحتاج إلى علاج مستمر، وفي الضالع مئات الأطفال وصلوا إلى مستشفى النصر خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وفي مأرب تسجل عيادات التغذية حالات أخرى لأطفال وأمهات يعيشون في مخيمات النزوح أو ظروف اقتصادية صعبة.
وهذه الأرقام المحلية لا تقدم بمفردها قياسا وطنيا لانتشار سوء التغذية، لكنها تكشف شيئا آخر أكثر أهمية في العمل الميداني: أن الحالات لا تظهر في مركز واحد، وأن الضغط على خدمات التغذية يتوزع على مناطق مختلفة من البلاد.
أطفال في مواجهة الجوع والمرض والنزوح
في مخيم السمياء بمحافظة مأرب، ترى الطبيبة معجبة المنصوري الأزمة من داخل عيادة حكومية للتغذية، هناك لا تصلها الأرقام في صورة تقرير وطني، تصلها أجساد أطفال تحتاج إلى قياس ومتابعة وعلاج.
وبحسب إفادتها للجزيرة، تعاملت العيادة خلال السنة الأخيرة مع 33 حالة من سوء التغذية الحاد الشديد و85 حالة من سوء التغذية الحاد المتوسط بين الأطفال، إضافة إلى 84 حالة لأمهات.
وهذا يعني أن عدد الأطفال في الحالتين اللتين ذكرتْهما المنصوري بلغ 118 طفلاً، فيما بلغ مجموع الحالات التي أشارت إليها في الفئات الثلاث 202 حالة، بينها أطفال وأمهات.
وتقول الطبيبة إن أسباب الحالات متعددة، من بينها نقص الغذاء أو عدم توازنه، والأمراض، والظروف الاجتماعية، وارتفاع احتياجات الطفل الغذائية، إضافة إلى مشكلات الرضاعة والتغذية لدى الأطفال، حيث تضع الحرب والفقر والنزوح هذه الأسباب داخل سياق أوسع يجعل الأسرة أكثر هشاشة أمام أي مرض أو نقص في الغذاء.
وفي العيادة، تختلف طريقة التعامل بحسب شدة الحالة، فالأطفال المصابون بسوء التغذية الحاد الشديد يحتاجون إلى تقييم طبي دقيق، وقد تستدعي الحالات المصحوبة بمضاعفات العلاج داخل المستشفى، بينما يمكن للحالات المستقرة غير المصحوبة بمضاعفات أن تتلقى العلاج والمتابعة خارجيا وفق البروتوكول الطبي المعتمد.
أما الحالات المتوسطة، فتتم متابعتها في العيادة مع توفير أغذية علاجية أو مكملات غذائية مخصصة للبرنامج، ومراقبة الوزن والنمو بصورة دورية.
وتقول الطبيبة إن العيادة لم تسجل، حتى وقت إفادتها، وفاة بين الحالات التي عالجتها، وتضيف أن برنامج الأغذية العالمي يواصل توفير برنامج علاج سوء التغذية المتوسط، بينما تصل مستلزمات علاج سوء التغذية الحاد الشديد عبر منظمة اليونيسيف ومن خلال مكتب الصحة في المحافظة.
وفي المخيم نفسه توجد قصص أخرى تقول إن العلاج، حين يصل في الوقت المناسب، يمكن أن يغير مسار الطفل، فقد وثقت ملفات العيادة 4 حالات لأطفال مصابين بسوء تغذية حاد شديد، دخلوا وهم يعانون هزالاً شديداً وفقداناً للشهية، ثم خضعوا للمتابعة اليومية والأسبوعية، وتعلمت أمهاتهم طرق التغذية العلاجية، قبل أن تعود الشهية ويزداد الوزن ويخرج الأطفال بعد تحسن حالتهم.
وبين هؤلاء عبد الله أحمد صغير، وحكيمة ضيف الله قطر، وعالية فواز نعمان، وشافية عبد ربه شداد، وهي حالات سجلت لها العيادة فترات دخول وخروج وأوزانا قبل العلاج وبعده.
لكن استمرار توفير هذه الخدمات لا يعني أن الأزمة انتهت، فالطفل قد يتلقى الغذاء العلاجي داخل العيادة، ثم يعود إلى بيئة المعيشة نفسها التي ساهمت في وصوله إلى سوء التغذية: أسرة فقيرة، أو مخيم نزوح، أو مرض متكرر، أو مياه وخدمات صحية محدودة.
وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات أزمة سوء التغذية تعقيدا: يمكن إنقاذ الطفل طبياً من الحالة الحادة، لكن إذا لم تتغير الظروف المحيطة به يبقى خطر عودته إلى المشكلة قائماً.
وهذا ما تظهره قصة حسن رزام محمد، الذي نزحت أسرته من ميدي إلى أحد مخيمات عبس في حجة، حيث كان يعاني منذ ولادته ضعفاً في النطق، ثم وصل إلى حالة من سوء التغذية الحاد جعلت جسده هزيلاً وغير قادر على الوقوف والحركة، بينما لم تكن أسرته قادرة على توفير ما يكفيه من الطعام أو العلاج.
حمله والده إلى مركز علاج سوء التغذية في مستشفى أسلم، وبقي هناك أسابيع يتلقى الأغذية العلاجية والرعاية الطبية، قبل أن يبدأ وزنه وحيويته بالتحسن تدريجياً.
وفي أسلم أيضاً تظهر قصة مريم محمد طاهر، ذات الأعوام الستة، التي تعاني مما تصفه أسرتها بوجود سوائل في الدماغ إلى جانب سوء تغذية حاد تسبب لها في مضاعفات صحية.
وقبل نحو عامين أخذها والدها إلى صنعاء، وهناك أبلغه الأطباء بالحاجة إلى عملية عاجلة لتصريف السوائل، لكنه لم يتمكن من تحمل كلفة الجراحة فعاد بها إلى منطقته.
واليوم تتلقى مريم الرعاية الخاصة بسوء التغذية وتراجع مستشفى أسلم بصورة منتظمة، بينما تبقى المشكلة الصحية الأخرى حاضرة في حياتها.
وفي الضالع، يظهر أحمد، البالغ 7 سنوات، في صورة أخرى من صور الأزمة. فعلى الرغم من بلوغه هذا العمر، لم يتجاوز وزنه 9 كيلوغرامات بحسب المعلومات التي حصلت عليها الجزيرة.
ولا تحتاج قصته إلى كثير من الأرقام حتى تكشف حجم الهشاشة التي يمكن أن يصل إليها الطفل حين تتراكم عليه مشكلات الغذاء والصحة والمعيشة.
ولا يبدأ سوء التغذية بالضرورة قبل أن يصل الطفل إلى غرفة العلاج، ففي كثير من الحالات تكون هناك سلسلة من الظروف التي تتراكم ببطء داخل الأسرة قبل أن يصبح النحول واضحاً: طفل لا يحصل على غذاء متنوع بما يكفي، ثم يصاب بإسهال أو مرض آخر، فتتراجع شهيته ويزداد فقدان السوائل والعناصر الغذائية، أسرة تعيش في مخيم لا تملك دخلاً مستقراً، فتضطر إلى تقليل كمية الطعام أو تنويعه، وأم تحتاج إلى الغذاء والرعاية هي الأخرى، لكنها تعيش في البيئة الاقتصادية والصحية نفسها.
ولهذا فإن علاج سوء التغذية لا يقتصر على إعطاء الطفل غذاءً علاجياً، فالاستجابة الطبية تعالج الحالة الموجودة، بينما يحتاج منع تكرارها إلى معالجة العوامل التي دفعت الطفل إليها في المقام الأول.
بلد تتسع فيه الحاجة وتتقلص الاستجابة
عام 2026، تبدو الصورة أكبر بكثير من جدران العيادات، ووفقا للمنظمات الأممية يحتاج أكثر من 22 مليون شخص في اليمن إلى المساعدة والحماية الإنسانية، ويواجه 18.3 مليونا انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما يقدّر عدد الأطفال دون الخامسة الذين يعانون سوء التغذية الحاد بأكثر من 2.2 مليون، بينهم 516 ألفا و157 يعانون سوء التغذية الحاد الشديد، إضافة لنحو 1.3 مليون حامل ومرضعة متوقع أن يعانين سوء التغذية.
حجم أزمة التغذية
ولا تعني هذه الأرقام الوطنية أن كل هؤلاء الأطفال موجودون بالمستشفيات في الوقت نفسه، ولا أنها تمثل حالات مسجلة في العيادات، إنها تقديرات لحجم الاحتياج السكاني. لكن وضعها إلى جانب قصة جياد وحالات عبس والضالع ومأرب يجعل الرقم الكبير أكثر قابلية للفهم: خلف كل تقدير وطني توجد أسر وأطفال ومراكز علاج تعمل على التعامل مع الحالات عندما تصل إليها.
والطفل لا يعيش على الطعام وحده، يحتاج إلى مياه آمنة، ورعاية صحية، ولقاحات، ونظافة، ودخل تستطيع الأسرة من خلاله شراء احتياجاتها، وبيئة تقلل من خطر الإصابة بالأمراض.
وتشير خطة الأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن 14.4 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، بينما لا تعمل بكامل طاقتها سوى نحو 59.3% من المرافق الصحية.
وفي الجانب الآخر من القصة توجد جداول المانحين وخطط الاستجابة الإنسانية. وعلى مدى سنوات الحرب، تراوحت الاحتياجات الإنسانية وخطط التمويل بين مليارات الدولارات، لكن التمويل لم يصل كل عام إلى حجم الاحتياج المعلن.
وتظهر بيانات خطة الاستجابة الإنسانية أن الاحتياج بلغ نحو 1.6 مليار دولار عام 2015، مقابل تمويل يقارب 900 مليون، ثم ارتفع إلى 4.27 مليارات عام 2022، لم يمول منها سوى نحو 2.27 مليار، قبل أن يتراجع التمويل عام 2023 إلى نحو 1.76 مليار مقابل احتياجات تجاوزت 4.34 مليارات.
وعام 2024 بلغت الاحتياجات نحو 2.71 مليار دولار، بينما بلغ التمويل نحو 1.51 مليار، أما عام 2025 فبلغ التمويل نحو 705 ملايين حتى منتصف العام، مقابل احتياج إجمالي بلغ نحو 2.48 مليار. وتطلب خطة 2026 نحو 2.16 مليار للاستجابة الإنسانية، بيد أنها ممولة حتى الآن بنسبة 20.6% فقط.
وهذه أرقام للتمويل الإنساني العام وليست تمويلاً مخصصاً لسوء التغذية وحده، وهي نقطة مهمة عند قراءة الفجوة. فالأموال الموجهة للاستجابة الإنسانية تغطي قطاعات متعددة تشمل الغذاء والصحة والمياه والحماية وغيرها، لكن اتساع الفجوة بين الاحتياجات والتمويل يظل مؤشراً على المساحة التي تفصل بين ما تقدمه خطط الاستجابة وما يمكنها فعلياً من الوصول إلى الناس.
ويقول الدكتور موسى علاية، المتخصص في الحوكمة والإدارة العامة وقضايا المساعدات الإنسانية واقتصادات الحرب، إن السؤال ينبغي ألا يتوقف عند حجم الأموال التي أُنفقت، وإنما عند ما أحدثته هذه الأموال في تقليل الحاجة إلى المساعدة. فبعد أكثر من عقد من الحرب، وبينما وصلت الاحتياجات الإنسانية والتمويلات إلى عشرات المليارات، لا تزال ملايين الأسر تعتمد على الاستجابة الإنسانية.
ويرى الدكتور علاية أن المشكلة لا تتعلق بفجوة التمويل وحدها، بل أيضاً بطريقة عمل المساعدات داخل اقتصاد الحرب وبالبيئة السياسية والاقتصادية والمؤسسية التي تصل إليها.
ويشير في أبحاثه حول المساعدات الإنسانية في اليمن إلى أن المساعدات تعمل داخل شبكة من المصالح والفاعلين، وأن طريقة توزيعها وقنوات وصولها وأولويات المانحين يمكن أن تؤثر في أثرها، بينما تظل قدرة المساعدات وحدها محدودة أمام مشكلات أكبر مثل انهيار الاقتصاد، وتراجع الخدمات العامة، وضعف المؤسسات واستمرار الحرب.
وبالنسبة إلى الباحث، فإن المساعدة الإنسانية تستطيع توفير الغذاء والماء والدواء وإنقاذ حياة في لحظة حرجة، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة الرواتب وفرص العمل والخدمات العامة أو إنهاء اقتصاد الحرب.






