10 دقائق للقراءة 1858 كلمة
تقرير: نواف الحميري/
في مستشفى المظفر بمدينة تعز، جنوب غرب اليمن، تحمل الأم جليلة محمد طفلها الرضيع بين ذراعيها بعد أن قطعت أكثر من ثلاثين كيلومتراً من مدينة القاعدة، الواقعة في مناطق سيطرة الحوثيين، بحثاً عن جرعة لقاح واحدة تقول إن الكثير من الأطفال يصلون يومياً من تلك المناطق بحثا عنه، يحملهم آباؤهم وأمهاتهم في رحلة نجاة محفوفة بالمخاطر، لم يكن هذا المشهد مألوفاً في بلد لم تخلو مستشفياته من اللقاحات المجانية على مدى سنوات، لكن الحرب حوّلت التطعيم من حق أساسي إلى رحلة قاسية تخوضها الأسر وتكلفها الكثير.
ويضع انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين حياة نحو خمسة ملايين طفل خارج نطاق التغطية بالتحصين الروتيني، وفق تحذير وزارة الصحة العامة والسكان في عدن في تقريرها لعام 2026، في مؤشر على كارثة صحية تتفاقم، فيما تتبادل الأطراف الاتهامات حول المسؤولية.
من الحرمان إلى اللقاح
اعتاد مراد عبدالله “اسم مستعار”، المقيم في منطقة الراهدة شرق تعز، الحصول على اللقاحات المجانية لطفليه في المستشفيات الحكومية، لكن عندما جاء دور طفله الثالث، البالغ أربعة أشهر، وجد المستشفى الذي يرتاده بلا لقاحات يقول: “كنت أحصل على اللقاحات مجاناً، لكن الوضع تغير تماماً أبلغوني بنفاد المخزون وأنه لا يوجد في المركز لقاحات”.
لم يجد حلاً سوى السفر إلى مدينة تعز، حيث تمكن من أخذ أولى الجرعات ضد شلل الأطفال، لكن الرحلة كلفته نحو 25 ألف ريال، أي ما يعادل 46 دولاراً، وهو مبلغ “باهظ” بالنسبة لدخله المحدود و يقول بألم: “أمنت الجرعة الحالية ، لكنني قلق بشأن الجرعات المستقبلية”.
وفي منطقة الحوبان عاش جلال أحمد “اسم مستعار” تجربة مماثلة، اكتشف إصابة طفلته حنين البالغة أربع سنوات بالحصبة بعد ظهور طفح جلدي وحمى شديدة قال الطبيب إن السبب الرئيسي هو عدم تلقيها اللقاحات لأن الحوثيين يمنعون الحصول عليها بحجة أنها مضرة و”جزء من مؤامرة عالمية”.
وحرص جلال، خلال وجوده في مدينة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، على تطعيم طفله الأصغر كي لا تتكرر معاناة أخته، ويؤكد أن الإقبال كبير من الأسر القادمة من مناطق الحوثيين على تلقيح الأطفال، وأن حجم الكارثة كبير لكن يوجد هناك تكتم.
تسييس الملف الصحي
يصف تيسير السامعي، المسؤول الإعلامي لمكتب الصحة في تعز، الوضع قائلاً إن “عشرات الأطفال يصلون يومياً من مناطق سيطرة الحوثيين طلباً للتطعيم”، مشيراً إلى أن “تسييس الملف الصحي” هو ما أدى إلى هذه الكارثة.
ويضيف أن فرقاً ميدانية تنتظر القادمين في المنفذ الشرقي للمدينة، حيث تقدم اللقاحات مجاناً لمن يصل من الحوبان وما حولها، لكن الرحلة نفسها محفوفة بالمخاطر، حواجز أمنية متعددة، وتكلفة مواصلات تعادل أضعاف دخل أسرة يمنية، وخطر التعرض للمساءلة عند العودة إلى مناطق الحوثيين.
ويؤكد الدكتور علي أحمد طاهر المحمدي منسق صحة الطفل في مديرية القاهرة بتعز أن المركز يستقبل الأطفال من مناطق سيطرة الحوثيين دون تمييز، يقول: “لدينا قاعدة في اللقاحات واللقاحات تُستكمل ولا تُعاد فالإنسان في أي مكان وزمان مناسب يستطيع استكمال جرعاته بموجب كرت اللقاح”.
ويشير إلى أن النسب المسجلة في المركز “تزداد أكثر من النسبة الحقيقية لأنه يستقبل أناساً من خارج النطاق السكاني، ما يرفع الضغط عليهم ويزيد طلبات اللقاحات”.
وتؤكد الدكتورة أنسام، المسؤولة عن إحدى فرق النزول الميداني، أن “جميع اللقاحات متوفرة في الأماكن المحررة”، وأنهم يستقبلون أطفالاً من مناطق سيطرة الحوثيين، الحوبان وإب وصنعاء، ينزلون زيارات لأهلهم ويحضرون لتطعيم أطفالهم.
وتشير إلى أن الحصبة والدفتيريا هما أبرز الحالات الوافدة، وأن “سبب الانقطاع هو الشائعات المتداولة بين الناس ووسائل إعلام الحوثي”.
سياسة الحرمان
منذ سنوات، تمنع جماعة الحوثي حملات التحصين الجوالة التي كانت تُنفَّذ من منزل إلى منزل بتمويل دولي مبررة ذلك بخطاب تحريضي يصوّر اللقاحات كجزء من “مؤامرة غربية”، واقتصر التطعيم في مناطق سيطرتها على المرافق الصحية، ما فاقم انعدام الوصول في القرى والمناطق النائية.
يشرح السامعي الآلية قائلاً: “السبب الرئيسي لانعدام اللقاحات هو موقف الميليشيا التي تعتبر التحصين جزءاً من التآمر، وتزعم أن اللقاحات مؤامرة صهيونية”.
ويضيف أن الميليشيا اعتقلت موظفين في منظمات دولية، ما عقّد وصول اللقاحات. ويوضح أن هناك استراتيجيتين: “المنع المباشر عبر حجب اللقاحات، والمنع غير المباشر عبر نشر شائعات تشكك في سلامتها”.
ويؤكد أن “حالة واحدة من شلل الأطفال تعتبر وباءً، ولهذا تعمل وزارة الصحة على خمس حملات تطعيم لمواجهة حالة واحدة”.
في 4 سبتمبر 2025، استلمت وزارة الصحة في صنعاء آخر شحنة لقاحات، ثم توقف كل شيء. وفي 24 أكتوبر 2025، أوقفت اليونيسف عملياتها في مناطق الحوثيين بعد حملات اعتقال طالت موظفي الأمم المتحدة ومداهمات لمقراتها.
يقول أنيس الأصبحي، المتحدث باسم وزارة الصحة في صنعاء، خلال مقابلة متلفزة أجراها مع التلفزيون العربي إن اليونيسف وتحالف غافي “يسيسان العمل الإنساني”، مضيفاً: “منذ توقف اليونيسف عن العمل في صنعاء، انقطعت إمدادات اللقاحات، ولا نستطيع الاستيراد بسبب الحصار”، مؤكداً أن “مخزونات اللقاحات الأساسية التسعة نضبت تماماً”.
لكن وزارة الصحة في عدن تروي رواية معاكسة حيث يؤكد علي الوليدي، وكيل قطاع الرعاية الصحية الأولية أن هناك كميات كافية متوفرة لتغطية جميع المحافظات، بما فيها مناطق الحوثيين، لكن الجماعة “رفضت استقبال اللقاحات المخصصة لمناطقها، رغم الاتفاق على تخصيص أكثر من 65% من الإمدادات لتلك المناطق”.
وتشير الوزارة إلى أن اللقاحات متوفرة لدى الشركاء، إلا أن القيود والعراقيل التي يضعها الحوثيون تحول دون إيصالها إلى الأطفال.
خريطة الكارثة
وفق بيانات منظمة الصحة العالمية واليونيسف والمبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال لعام 2026، وحتى 7 ديسمبر 2025، بلغ عدد الإصابات المؤكدة مخبرياً بشلل الأطفال في اليمن 452 حالة، منها 411 في مناطق سيطرة الحوثيين، أي 87% لم تتلقَّ أي جرعات تطعيم.
ويؤكد السامعي أن أكثر من 445 حالة شلل أطفال سُجلت خلال السنوات الثلاث الماضية، وتجاوزت حالات الحصبة 15,000 في المناطق المحررة وتقول تقارير منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 70% من الإصابات تتركز خارج سيطرة الحكومة.
ووفق بيانات 2025، سُجلت في الأسابيع الـ38 الأولى 29 حالة مؤكدة من فيروس شلل الأطفال المتحور من النوع الثاني، 28 منها في المحافظات الشمالية الخاضعة للحوثيين ومنذ 2021، أبلغت المنظمات عن 282 حالة، موزعة على 122 مديرية في 19 محافظة من أصل 22، و98% منها بين الأطفال دون الخامسة وكان اليمن قد أعلن خلوه من المرض عام 2006، قبل أن يعود الفيروس منذ 2017 في ظل منع الحوثيين حملات التطعيم.
أما الحصبة، فالأرقام أكثر إيلاماً وفق تقرير وزارة الصحة في عدن لعام 2026 ووفقا لبيانات 2025، سُجلت في المحافظات المحررة 16,928 إصابة و109 وفيات، غالبيتهم أطفال. وعلى مستوى اليمن، أظهر تقرير OCHA لعام 2026 تسجيل 23,817 إصابة و214 وفاة، منها 6,889 إصابة و105 وفيات في مناطق الحوثيين. وتراجعت تغطية لقاح الحصبة إلى 41% عام 2025، مقارنة بـ63% عام 2012. وتشير البيانات إلى أن نحو ربع الأطفال اليمنيين لم يحصلوا على جميع اللقاحات، و17% لم يتلقوا أي جرعة.
في المقابل، لم تُسجل أي إصابة بشلل الأطفال في المحافظات المحررة خلال 2025 و2026، وهو ما يعكس نجاح برامج التحصين. وبلغت التغطية في تعز 105% من المستهدف، بإجمالي 352,358 طفلاً في الجولة الأولى من الحملة الطارئة، وفي الجولة الثانية التي نُفذت في سبتمبر 2025، استهدفت الحملة 342 ألف طفل في 17 مديرية.
من يحمي أطفال اليمن؟
خلال الجولة الأولى من حملة التحصين ضد شلل الأطفال في يوليو 2025، تم تطعيم 1,358,360 طفلاً في 120 مديرية بـ12 محافظة، عبر 6,924 فرقة تطعيم، منها 6,079 متحركة و845 ثابتة، بإجمالي 13,003 عمال صحيين ومشرفين.
وفي تعز وحدها بلغ عدد المطعمين 352,358 طفلاً، فيما بلغت النسبة في مأرب 108% بإجمالي 112,710 أطفال، وفي الحديدة 109% بإجمالي 45,226 طفلاً.
ويشرح الدكتور المحمدي آليات العمل قائلاً: “يوجد نظام لسلسلة التبريد من المصدر إلى الطفل، يشمل نقل اللقاح وتخزينه وأوامر الصرف وتوجد ثلاجات خاصة للحفاظ على سلسلة التبريد، وحافظات يدوية متنقلة”.
وتضيف الدكتورة أنسام أن درجات الحرارة الآمنة تتراوح بين +2 و+8 درجات مئوية، مع فحص وتسجيل الحرارة مرتين يومياً، وخطة طوارئ عند انقطاع الكهرباء.
وتؤكد: “لا توجد لدينا في تعز أي انقطاعات أو عوائق لإحضار اللقاحات”.
ويشير السامعي إلى أن اللقاحات الأساسية تتراوح بين 11 و12 لقاحاً، تشمل الحصبة، وشلل الأطفال، والسعال الديكي، والدفتيريا، والتهاب الكبد، والروتا. ويتلخص دور مكتب الصحة في مناشدة الآباء في مناطق الحوثي بجلب أطفالهم للتطعيم في المناطق المتاحة، مع المطالبة بإعادة عمل المنظمات الدولية.
ويشدد المحمدي على أن مواجهة الشائعات تتم عبر التوعية وإثبات أن هذه الأمراض لا علاج لها إلا الوقاية.
لكنه يعترف بتحديات الأعراف والتقاليد، وعدم إدراك أهمية اللقاح، وضعف تأهيل بعض العاملين، وعدم كفاية الطاقة الاستيعابية.
وحذرت لجنة الإنقاذ الدولية في تقريرها لعام 2025 من التداعيات المتزايدة لتراجع التحصين مشيرة إلى أن أكثر من عقد من الصراع وضع النظام الصحي تحت ضغط شديد وأظهرت دراسة أن الأطفال يكملون جدول التطعيم أكثر عندما يثق مقدمو الرعاية باللقاحات.
في الوقت الحالي، يبقى الحل الوحيد لآلاف الأسر هو الرحلة إلى تعز: رحلة قد تكلف 50 دولاراً، وتستغرق ساعات على حواجز أمنية، وتحمل خطراً حقيقياً على الأب والطفل. لكن الأسر التي لا تستطيع تحمل التكلفة، أو لا تجد من يرافقها، تبقى محرومة.. وحدها تنتظر الموت البطيء بأمراض كان يمكن الوقاية منها بجرعة مجانية.
أُنجزت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي.
ونشرت بالتزامن مع موقع “تعز تايم”

