5 دقائق للقراءة 978 كلمة
تقرير: أفرح بورجي/
منذ أيام طويلة ترقد «عزيزة» على الفراش بمخيم نزوح بالحديدة، واهنة الجسد، تعاني من هزال وضعف عام، وسط أوضاع معيشية صعبة تفتقر إلى التغذية السليمة والكافية والاستقرار النفسي والأسري.
بدأت مشكلة «عزيزة» -اسم مستعار- القاطنة في مخيم بمديرية حيس، بنزيف حاد ومستمر أدى إلى تدهور حالتها الصحية، في ظل غياب المستلزمات الطبية والفوط الصحية، الذي يمثل عدم القدرة على شرائها إحدى المشكلات التي تعاني منها النازحات بشكل عام، ويضطررن إلى استخدام قطع قماشية قد يترتب عليها تداعيات صحية خطيرة في المستقبل.
تقول عزيزة: «لم أستطع استكمال العلاج بسبب ظروف الأسرة، وما يزيد الأمور تعقيداً أننا لا نمتلك غذاءً صحياً ومياهاً نظيفة وفوطاً صحية، ولا تتوفر أدنى مستويات الخصوصية للنساء في المخيمات».
مساعدات شحيحة
وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء، تجاوز عدد الأسر النازحة في مديرية حيس التابعة لمحافظة الحديدة 1950 أسرة، وجدت أسر كثيرة منها نفسها في المخيمات، تعيش ظروفاً سيئة في أماكن إيواء غير مؤهلة، بعد أن وصلت إليها فاقدةً المال والملابس الكافية.
وعلى وجه الخصوص، تواجه النساء والفتيات في مخيمات مديرية حيس أوضاعاً إنسانية صعبة، تتمثل في شحة الدعم الإنساني وانعدام المياه النظيفة، إضافة إلى ما يُعرف بـ«فقر الدورةالشهرية»، والذي يُقصد به عدم القدرة على الوصول إلى مستلزمات الدورة الشهرية أو توفرها بسبب القيود المالية بحسب منظمة الصحة العالمية.
ولا تحصل النازحات على الفوط الصحية إلا نادراً من خلال المساعدات، كما لا يستطعن شراءها بسبب الفقر الشديد، فيلجأن إلى استخدام قطع القماش بدلاً عنها، ما يتسبب في التهابات فطرية وأمراض تناسلية ونزيف.
وتؤكد جمالة بشبش، مسؤولة التقارير في الوحدة التنفيذية للنازحين بمديرية حيس، أن «حقائب الكرامة»، المخصصة لحماية كرامة النساء وتوفير مستلزماتهن الأساسية، لا توزع إلامرة واحدة عند النزوح الأول، ولا تصرف بصورة دورية، وتختلف محتوياتها بحسب المنظمات والتمويل المتاح، ما يخلق فجوات حرجة تتسع يوماً بعد يوم.
التعلق بقطعة القماش
تضطر الفتيات والنساء في مخيمات النزوح إلى إعادة استخدام قطع قماش قديمة وغير معقمة مرات عديدة، كبديل اضطراري لعدم توفر الفوط الصحية، متجاهلات المخاطر الصحية التي قد تترتب عليها.
وهذا ما تحذر منه طبيبة النساء والولادة سميرة التعزي، التي توضح أن هذه الممارسة تسبب جملة من الأمراض والمشكلات الصحية الخطيرة، كالتهابات المسالك البولية المتكررة الناتجة عن العجز عن غسل المنطقة وتبديل الفوط بانتظام في ظل شح المياه.
وتقول التعزي لـ«يمن بلاتفورم»: «تظهر أعراض التهابات المهبل الفطرية والبكتيرية في الحكةوالإفرازات ذات الرائحة الكريهة وحرقة البول، إذ تتحول قلة النظافة إلى بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا، والتهابات الحوض المزمنة والعقم الثانوي».
وتضيف: «إذا صعدت البكتيريا من المهبل إلى الرحم، تتسبب في مشكلات صحية متعددة، منها آلام أسفل البطن وارتفاع درجة الحرارة، وفي حال تكرار الالتهابات قد يؤثر بشكل مباشر وخطير على الخصوبة مستقبلاً».
ومن جانبها، تحذر أخصائية النساء والتوليد في الحديدة، الدكتورة نهى أحمد، من أن هذه الممارسات قد تصيب المرأة بـ«متلازمة الصدمة التسممية» (Toxic Shock Syndrome)، وهي حالة نادرة لكنها قاتلة، وتحدث عند بقاء قطعة قماش ملوثة لفترة طويلة، ما يسمح للبكتيريا بإفراز سموم في مجرى الدم.
دورات مياه محدودة
لا تقتصر مشكلة النازحات على غياب الفوط الصحية، فهناك سلسلة من التعقيدات التي تحرمهن من وجود مساحة كافية للخصوصية، منها محدودية مرافق الصرف الصحي وعدم وجود حمامات خاصة بالنساء، ما يتسبب لهن في إحراج شديد وحساسية عند الحاجة إلى استخدامها.
وتصل قسوة الحياة في المخيمات إلى اضطرار بعض النساء إلى تقليل شرب الماء عمداً لتجنب الذهاب إلى دورات مياه بعيدة وغير آمنة، تفتقر إلى الأبواب والأقفال والإنارة، ما يعرضهن لخطر الإصابة بالجفاف.
تشير جمانة بشبش إلى وجود عدد من العوائق التي تقف دون توفير بيئة صحية آمنة في المخيمات، وخاصة شبكات المياه ودورات المياه المغلقة الخاصة بالنساء، منها نقص التمويل الحاد وعدم كفاية الموارد المادية لإنشاء مرافق الصرف الصحي وصيانتها، والاكتظاظ بالمخيمات بما يفوق الطاقة الاستيعابية للبنية التحتية القائمة، ومخاطر الحماية المتمثلة فيبُعد دورات المياه عن أماكن السكن وغياب الإنارة ليلاً.
وتقول بشبش لـ«يمن بلاتفورم»: «هناك بعض المبادرات الفردية والتنسيقية في بعض المخيمات، مثل مخيمي الجشة وبني جابر، ساهمت في توفير حمام خاص لكل أسرة، كما أُنشئت محطة تحلية للمياه لتغطية احتياجات المخيمين، إلا أن هذه الحلول تظل جزئية ولا تلبي حجم الاحتياج الهائل للنازحين».
وتوضح أن دور الوحدة التنفيذية للنازحين يقتصر على النزول الميداني ورفع الاحتياجات الفعلية إلى المنظمات الدولية والمحلية، لعدم امتلاكها ممولين مستقلين، في ظل غياب خطط طوارئ حقيقية لسد هذه الفجوة الواسعة.
الحاجة إلى تدخلات عاجلة
لا تتوقف تحديات النزوح عند فقدان الأمان والممتلكات، بل تشتد وطأتها على النساء بوصفهن الأكثر عرضة للصدمات والتأثيرات النفسية التي تنعكس على هرموناتهن وصحتهن الإنجابية.
وترى أمة العليم الأهدل، مسؤولة الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين في مديرية حيس بمحافظة الحديدة، أن هذه الظروف تخلق حالة من الحرج الشديد والقلق المستمر وفقدان الخصوصية، ما يقيد حركة النساء وممارسة حياتهن اليومية بثقة.
وبحسب الدكتورة سميرة التعزي، تحتاج المخيمات إلى خارطة طريق عاجلة للتدخل لإنقاذ النساء والفتيات في المخيمات، تتلخص في توفير البيئة الصحية اللازمة، ومنها الفوط الصحية بصورة منتظمة ضمن مستلزمات النظافة الشخصية، وتأمين المياه النظيفة والمنظفات، بالإضافة إلى توفير العلاجات اللازمة لمكافحة الالتهابات والفطريات والنزيف الحاد، ومكملات الحديد لتعويض الدم المفقود خلال فترات النزيف.
وتؤكد التعزي أهمية إطلاق حملات وقائية وتوعوية للمراهقات والنساء بمخاطر البدائل غير الصحية، وأهمية تنفيذ الدولة برامج الرعاية الشخصية وإنشاء مرافق صحية آمنة ومغلقة تحمي خصوصية المرأة وتصون كرامتها الإنسانية.
*الصورة الرئيسية مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي
أُنجزت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع «أول هدية» الذي تنفذه بالشراكة مع المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي وبدعم من منظمة اليونيسف وبنك التنمية الألماني ( KFW).
ونشرت بالتزامن مع منصة ” يمن بلاتفورم”

