8 دقائق للقراءة 1589 كلمة
عوافي / تقرير خاص
في بلد دفعت الحرب وتدهور القطاع الصحي آلاف المرضى إلى البحث عن العلاج خارج الحدود، مثّل نجاح أول ثلاث عمليات زراعة كبد في محافظة تعز تحولًا لافتًا في مسار الخدمات الطبية التخصصية داخل اليمن، وأعاد طرح التساؤلات حول إمكانية تقليل الاعتماد على العلاج في الخارج، الذي أثقل كاهل المرضى وأسرهم لسنوات طويلة.
وشهد مركز القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى في تعز نجاح إجراء أول ثلاث عمليات زراعة كبد، في خطوة وصفها وزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم بحيبح بأنها “إنجاز طبي تاريخي” ونقلة نوعية في مسار الخدمات الصحية التخصصية في اليمن.
وأكد الوزير بحيبح أن هذا النجاح يجسد مستوى التقدم الذي وصلت إليه الكوادر الطبية اليمنية، وقدرتها على تنفيذ عمليات دقيقة ومعقدة وفق أعلى المعايير الطبية، رغم التحديات والظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع الصحي في البلاد.
رحلة علاج مكلفة خارج البلاد
طوال السنوات الماضية ، اضطر آلاف اليمنيين إلى السفر نحو دول مثل مصر والهند وتركيا والأردن للحصول على علاجات تخصصية معقدة، بينها جراحات القلب وزراعة الأعضاء، في ظل محدودية الإمكانات الطبية داخل اليمن.
وتحولت “السياحة العلاجية” بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية إلى رحلة استنزاف اقتصادي ونفسي، مع اضطرار المرضى لتحمل تكاليف العلاج والسفر والإقامة الطويلة خارج البلاد، فضلًا عن تعقيدات المتابعة الطبية بعد العودة.

وفي هذا السياق يقول مدير مركز القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى في تعز الدكتور أبو ذر الجندي إن السفر لإجراء زراعة الكبد لا يقتصر على تكلفة العملية فقط، بل يشمل تذاكر سفر للمريض والمتبرع والمرافق، إضافة إلى الإقامة لمدة شهر تقريبًا قبل إجراء العملية، وشهرين إلى ثلاثة أشهر بعد الزراعة لمتابعة الحالة الطبية، ما يضاعف الأعباء المالية والإنسانية على الأسر اليمنية.
وأوضح الجندي أن تكلفة زراعة الكبد في مصر تتجاوز 15 ألف دولار، فيما تتراوح في الهند بين 20 و35 ألف دولار، وتصل في تركيا إلى نحو 40 ألف دولار، بينما قد تتجاوز 700 ألف دولار في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى.
وفي المقابل أكد وزير الصحة أن نجاح إجراء عمليات زراعة الكبد داخل اليمن من شأنه أن يخفف معاناة المرضى الذين كانوا يضطرون للسفر إلى الخارج بتكاليف باهظة، كما يعزز فرص حصولهم على الرعاية الطبية المتقدمة داخل الوطن.
واحدة من أعقد العمليات الجراحية

من الناحية الطبية، تُصنف زراعة الكبد ضمن أكثر العمليات الجراحية تعقيدًا على مستوى العالم، نظرًا لحساسية الكبد ودوره الحيوي في تنقية السموم وإنتاج البروتينات وتنظيم وظائف أساسية داخل جسم الإنسان.
وفي شرح لطبيعة هذه العمليات، قال الجندي إن الوصول إلى مرحلة زراعة الكبد يعني غالبًا أن المريض يعاني من فشل كبدي متقدم يهدد حياته بشكل مباشر، موضحًا أن العملية تتطلب منظومة متكاملة تشمل الجراحة والتخدير والعناية المركزة والمختبرات الدقيقة وبنوك الدم والمتابعة طويلة المدى.
وأشار إلى أن العمليات أُجريت بأيدٍ يمنية وبمشاركة أكثر من 26 كادرًا طبيًا وفنيًا داخل غرف العمليات، إلى جانب فرق متخصصة في التخدير والعناية المركزة والأشعة والمختبرات وأمراض الكبد والجهاز الهضمي، فيما جرت العمليات تحت إشراف الخبير الهندي الدكتور “سيلفا كومار” المتخصص في زراعة الكبد والعامل في مستشفيات “ماكس” الهندية.
من جهته، شرح رئيس برنامج زراعة الكبد في مركز القلب بتعز الدكتور نبيل المخلافي أن زراعة الكبد تُجرى بطريقتين رئيسيتين؛ الأولى عبر التبرع من شخص حي، وهي الطريقة الأكثر تعقيدًا والأكثر شيوعًا في دول مثل الهند واليابان وكوريا، حيث يتم أخذ جزء من كبد متبرع سليم تربطه بالمريض صلة قرابة من الدرجة الأولى. أما الطريقة الثانية فتتم عبر نقل كبد كامل من متبرع متوفى حديثًا، وهي الآلية المتبعة بصورة أكبر في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأوضح الدكتور المخلافي أن زراعة الكبد لا تقتصر على إجراء جراحة معقدة فحسب، بل تمثل “برنامجًا طبيًا متكاملًا” يبدأ بتأهيل الكوادر وتجهيز الأجهزة وتحضير المتبرع والمريض، ويمتد إلى الرعاية المكثفة والمتابعة طويلة الأمد بعد العملية. وأضاف أن العملية الجراحية نفسها تمثل نحو 50 بالمئة فقط من المشروع، فيما تشمل بقية المراحل تجهيزات تقنية باهظة وتأهيل كوادر طبية متخصصة داخل وخارج اليمن.

من جهته، قال مدير عام الخدمات الطبية بوزارة الصحة العامة والسكان الدكتور عبدالرقيب محرز إن نجاح أول عمليات زراعة كبد في تعز يمثل “نقطة تحول حقيقية” في مسار القطاع الصحي اليمني، ويؤكد قدرة الكفاءات الطبية اليمنية على تحقيق إنجازات نوعية رغم الحرب وضعف الإمكانات وتحديات البنية التحتية.
وأوضح محرز أن هذا النجاح لا يقتصر على الجانب الجراحي فقط، بل يعكس تطور الكوادر الوطنية في مجالات الجراحة والتخدير والعناية المركزة والمختبرات، كما يمثل خطوة مهمة نحو توطين الخدمات الطبية التخصصية وتقليل الاعتماد على العلاج في الخارج.
دعم رسمي وتوجه للتوسع
ضمن هذا التوجه، تؤكد وزارة الصحة أن نجاح زراعة الكبد في تعز يأتي في إطار مسار أوسع يهدف إلى تطوير الخدمات الطبية التخصصية داخل البلاد وتوسيع نطاقها تدريجيًا.
وفي هذا الإطار، شدد وزير الصحة على أن الوزارة تولي اهتمامًا خاصًا بتطوير جراحات زراعة الأعضاء من خلال دعم المراكز الطبية وتأهيل الكوادر وتوفير الإمكانات اللازمة بما يواكب التطورات الحديثة في المجال الطبي.
وأشار إلى أن مركز القلب والأوعية الدموية في تعز سبق له إجراء مئات عمليات القلب المفتوح وزراعة الكلى وعدد من التدخلات المتخصصة في مجال القلب والأوعية الدموية والكلى، ما يعكس مسارًا تدريجيًا لبناء قدرات طبية تخصصية داخل البلاد.
بدوره، أوضح محرز أن وزارة الصحة دعمت البرنامج من خلال تسهيل إنشاء وتطوير المراكز التخصصية، وتوفير الإشراف الفني والغطاء الرسمي، إلى جانب دعم برامج التدريب والتأهيل والعمل مع الجهات الداعمة والخيرية لتغطية جزء من التكاليف التشغيلية والعلاجية.
وأضاف أن الوزارة تعتبر توطين الخدمات التخصصية أولوية وطنية، خصوصًا في ظل صعوبة سفر المرضى وارتفاع تكاليف العلاج بالخارج، مشيرًا إلى أن البرنامج — رغم محدودية طاقته الاستيعابية حاليًا — يمثل بداية مهمة لتقليل “النزيف المالي والإنساني” المرتبط بالعلاج الخارجي.
تحديات الاستدامة


