12 دقائق للقراءة 2345 كلمة
تقف الخدمات الصحية في اليمن أمام معركة مصيرية لا تقتصر فقط على الاستجابة العلاجية للأزمات والإصابات، بل تمتد لتلمس الجذور التغذوية والصحية لبناء أجيال المستقبل. وفي قلب هذه المواجهة الصامتة ضد سوء التغذية، تبرز مسألة تغذية الأمهات والرضع كأحد أهم خطوط الدفاع الوقائية والصحية التي تشغل بال صناع القرار الصحي والخبراء المحليين والدوليين على حد سواء.
عوافي/لقاء محمد مرشد
وفي مسعى لاستكشاف الأبعاد التغذوية والوقائية والمؤشرات الميدانية، أجرينا هذا الحوار الموسع مع الدكتورة مرام واكد، مدير برنامج تغذية الأمهات والمراهقات والرضع وصغار الأطفال بإدارة التغذية في وزارة الصحة العامة والسكان، لتسليط الضوء على الواقع الميداني، والأرقام المعتمدة، والتجارب الناجحة، وصولاً إلى الرؤية الاستراتيجية الوطنية الممتدة حتى عام 2030.
أولاً: واقع الرضاعة الطبيعية والمؤشرات الوطنية
-
ما هو الواقع الحالي للرضاعة الطبيعية وتغذية الرضع في اليمن؟ وما هي أحدث الأرقام والمؤشرات الوطنية التي تعتمدها وزارة الصحة؟
يواجه اليمن بلا شك تحديات كبيرة ومعقدة في مجالات تغذية الأمهات والرضع وصغار الأطفال نتيجة الظروف المركبة التي مر بها البلد. ومع ذلك، تعمل وزارة الصحة العامة والسكان بالتعاون الوثيق مع الشركاء الدوليين والمحليين على تدعيم النظام الصحي وتحسين هذه المؤشرات الحيويّة.
وبحسب أحدث مسح تغذوي وطني مستند إلى آلية (SMART 2023/2024) الذي نفذته وزارة الصحة العامة والسكان، بلغت نسبة اتباع مبادرة البدء المبكر بالرضاعة الطبيعية خلال الساعة الأولى من الولادة نحو 40%، في حين لم تتجاوز نسبة الرضاعة الطبيعية الخالصة خلال الأشهر الستة الأولى من حياة الطفل 20% فقط.
هذه الأرقام تُعد متدنية للغاية وفقًا للمعايير والمؤشرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية. فالأهداف العالمية للرضاعة الخالصة كانت تستهدف الوصول إلى 50% بحلول عام 2025، قبل أن تُرفع بقرار من جمعية الصحة العالمية ليصل الهدف إلى 60% بحلول عام 2030. كما حدد الهدف العالمي للبدء المبكر بالرضاعة الطبيعية الوصول إلى 70% بحلول عام 2030. ومن هنا، يتبين أن جعل الرضاعة الطبيعية والتغذية التكميلية أولوية صحية ووطنية ليس خياراً رفاهياً بل ضرورة ملحة.

ثانياً: التباين بين المحافظات ونموذج “الشحر” الناجح
-
هل تختلف هذه المؤشرات من محافظة إلى أخرى؟ وهل هناك نماذج ميدانية أثبتت نجاحها ويمكن التعلم منها؟
نعم، تظهر البيانات وجود تفاوتات واضحة بين المحافظات بل حتى بين المديريات داخل المحافظة الواحدة، وذلك تبعاً للظروف الإنسانية والاقتصادية، ومدى توفر الخدمات الصحية الأساسية، والتنوع في الممارسات المجتمعية السائدة. ونحن في الوزارة حريصون كل الحرص على رصد وتوثيق التجارب المحلية الناجحة للاستفادة منها وتوسيع نطاق تطبيقها.
وتُعد مديرية الشحر بمحافظة حضرموت مثالاً بارزاً وقصة نجاح ملهمة في تعزيز خدمات تغذية الأمهات والرضع، لا سيما من خلال التركيز على تقديم «المشورة التغذوية» كخدمة أساسية تُقدم جنباً إلى جنب مع خدمات التغذية العلاجية.
-
كيف أسهمت المشورة في إحداث الفرق الميداني بمديرية الشحر؟
كانت المديرية تعاني سابقاً ارتفاعاً متزايداً في أعداد حالات سوء التغذية المترددة على العيادات الخارجية المخصصة للعلاج، بالإضافة إلى تسجيل حالات انتكاس متكررة للأطفال بعد التعافي.
ومع إدخال ممارسات المشورة وتكثيفها للتوعية بأساليب تغذية الرضع، والاستمرار في الرضاعة أثناء مرض الطفل، ومواجهة الخرافات التغذوية، لوحظ تحسن ملموس وسريع تمثل في انخفاض معدلات الإصابة بسوء التغذية وتراجع حالات الانتكاس بشكل حاد.
-
ما هي أبرز الدروس المستفادة من نموذج الشحر لتطبيقها على بقية المديريات؟
أهم درس استوعبناه هو أن معالجة سوء التغذية لا يمكن أن تقتصر على صرف “الغذاء العلاجي” فقط، بل يجب أن تقترن بجهد وقائي ومجتمعي من خلال المشورة لمعالجة السلوكيات والممارسات الخاطئة التي تتسبب بالأساس في سوء التغذية أو الانتكاس. ويمكن التوسع في الاستفادة من ذلك عبر النقاط التالية:
-
تقديم خدمات المشورة التغذوية بصورة روتينية داخل كافة عيادات التغذية العلاجية.
-
تدريب الكوادر الصحيين وتأهيلهم في مهارات التواصل الإيجابي مع الأمهات ومقدمي الرعاية.
-
تقديم المشورة المستمرة أثناء فترة العلاج ومتابعة الطفل حتى بعد التعافي الكامل.
-
التركيز على دراسة واستيعاب الممارسات التغذوية المنزلية والأسباب الجذرية للمشكلة بدلاً من الاكتفاء بالتدخل العلاجي المؤقت.
-
توثيق المؤشرات بدقة قبل وبعد التدخل لقياس وتعميم التجارب الناجحة.
ثالثاً: العلاقة بين الرضاعة وسوء التغذية والدراسات العلمية
-
كيف تقرأ الوزارة العلاقة بين تراجع الرضاعة الطبيعية وارتفاع معدلات سوء التغذية باليمن؟ وهل توجد أبحاث محلية تؤكد هذا الطرح؟
الرضاعة الطبيعية الخالصة تُعد التكلفة الأدنى والتدخل الوقائي الأقوى على الإطلاق لحماية الطفل من الأمراض وسوء التغذية. ومع ذلك، فإن مواجهة سوء التغذية تتطلب حزمة حماية كاملة تشمل المياه والتحصين والنظافة العامة والخدمات الصحية.
وتؤكد البيانات الوطنية المسجلة في مسح (SMART 2023/2024) للمناطق المحررة وجود توازٍ مباشر بين تدني نسب الرضاعة الخالصة (20%) وارتفاع عبء سوء التغذية. كما ترتبط الممارسات الخاطئة مثل تقديم الماء أو السوائل مبكراً بارتفاع معدلات الإسهالات والنزلات المعوية لدى الرضع.

وهناك دراسات علمية يمنية منشورة تُثبت هذه الحقائق بدقة:
أبرز الدراسات البحثية الوطنية:
الباحثون والتاريخ |
مكان ونطاق الدراسة |
أبرز النتائج والتوصيات |
د. صفاء عوض العودلي ود. هدى عمر باسليم(نُشرت 2025) |
شملت 301 طفل (0–23 شهراً) في مخيمات النازحين بمحافظة عدن (يناير–مارس 2023). |
بلغت نسبة الرضاعة الخالصة 17.6% فقط، والبدء المبكر 56.8%، مما كشف عن فجوة حادة في ممارسات التغذية بين النازحين تتطلب تدخلاً عاجلاً. |
د. محمد سالم بعزب، جلال بلال، إيمان باسديق، وعلي عربي(نُشرت 2022 بمجلة BMC Pediatrics) |
أُجريت بمستشفى الصداقة بعدن (2018–2020) على رضع دون سن 6 أشهر مصابين بسوء تغذية حاد وخيم. |
استخدمت الدراسة تقنية المصّ التكميلي (Supplementary Suckling Technique) لإعادة تأسيس الرضاعة الطبيعية بنجاح ودعم التعافي بعد فشل الرضاعة المبكر. |
رابعاً: التحديات والمفاهيم الخاطئة الواجب تصحيحها
-
ما هي أبرز العقبات والمفاهيم الخاطئة التي تحول دون انتشار الرضاعة الطبيعية الخالصة؟
التحديات تتشابك بين ما هو اقتصادي وإنساني وما هو سلوكي مجتمعي. نحن نعمل ليس فقط على زيادة التوعية بل على خلق “بيئة داعمة للأم”.
وتتلخص أبرز الممارسات السلبية والمفاهيم التي نعمل على تصحيحها في النقاط الآتية:
-
تقديم الماء والأعشاب قبل إكمال 6 أشهر: يسود الاعتقاد الخاطئ بأن الرضيع بحاجة لسوائل إضافية بسبب حرارة الطقس، بينما حليب الأم يحتوي على كافة احتیاجات الطفل من المياه.
-
الترويج لبدائل حليب الأم والتأثر بها: التوصية المبكرة بالحليب الصناعي نتيجة ضغوطات مجتمعية أو ممارسات صحية غير دقيقة.
-
قطع الرضاعة أو تقليلها أثناء مرض الطفل: يسود انطباع خاطئ بأن المرض يتطلب إيقاف الرضاعة، بينما الحقيقة أن الطفل بأشد الحاجة للأجسام المضادة والمغذيات الموجودة بحليب الأم أثناء مرضه.
-
التوقف عن الرضاعة عند بدء الأطعمة التكميلية: التغذية التكميلية هي إضافة وليست بديلاً عن حليب الأم.
خامساً: دليل الأسرة للتغذية التكميلية بعد الشهر السادس
-
ما هي الرسائل والنصائح الأساسية التي توجهونها للأسر عند دخول الطفل شهره السادس؟
الوصول للشهر السادس يعني بدء التغذية التكميلية مع الاستمرار الكامل في الرضاعة الطبيعية حتى سن سنتين أو أكثر. ولتحقيق ذلك بشكل آمن، يجب مراعاة القواعد الأساسية التالية:
التنوع الغذائي: عدم الاقتصار على صنف واحد، وتقديم أطعمة غنية بالحديد (اللحوم، الدجاج، الأسماك، البيض، البقوليات) إلى جانب الخضروات والفواكه.
القوام المناسب: البدء بأطعمة مهروسة وسميكة تناسب بلع الطفل، والتدرج من القوام اللين إلى الأكثر سماكة وتماسكاً مع نمو الطفل (تجنب الاعتماد على المرق والسوائل فقط).
الكمية وتكرار الوجبات: تقديم الوجبات التكميلية 2–3 مرات يومياً للأطفال بعمر (6–8 أشهر)، وتزيد إلى 4–5 مرات يومياً للأطفال بعمر (9–23 شهراً) مع وجبات خفيفة مغذية.
إرشادات السلامة: تجنب إضافة الملح والسكر تماماً إلى طعام الطفل، والابتعاد عن المشروبات المحلاة والأطعمة المصنعة غير الصحية، مع التشديد على نظافة اليدين والأدوات أثناء الإعداد.

سادساً: الإنجازات والتعاون مع الشركاء والتطلعات المستقبليّة
-
ما هي أبرز الإنجازات المحققة؟ وكيف تقيمون الشراكة مع المنظمات الدولية وعلى رأسها اليونيسف؟
نجحنا في بناء السياسات وتطوير الإرشادات الوطنية وتأهيل آلاف الكوادر. وعلى سبيل المثال، يهدف مشروع التغذية المدعوم من الحكومة الألمانية ومنظمة اليونيسف في محافظات (عدن، لحج، مأرب، وتعز) إلى تدريب أكثر من 3,200 كادر مجتمعي و780 عاملًا صحياً على خدمات تغذية الأمهات والأطفال.
والشراكة مع “اليونيسف” والشركاء الآخرين كانت حاسمة في بناء القدرات وتوفير الأدوات التشغيلية، ونحن نركز في المرحلة القادمة على مبدأ الاستدامة وتملّك المؤسسات الحكومية للبرامج ودمجها كاملاً بالنظام الصحي.

-
كيف تنظرون لرسالة الإعلام؟ وما هي الأهداف الوطنية القادمة بحلول 2030؟

