8 دقائق للقراءة 1414 كلمة
تقرير يتتبع سجل صنعاء من التشكيك في اللقاحات والقيود على العاملين والمنظمات، إلى محاكمة طبيب ارتبط بالتحصين، ثم خطاب تحميل المنظمات مسؤولية نقص اللقاحات، وما دفعه أطفال اليمن من كلفة.
تقرير خاص/ عوافي
في صباح 26 أغسطس/آب 2026، نُقل الطبيب اليمني علي أحمد المضواحي من معتقله، حيث أمضى أكثر من عامين، إلى جلسة تحقيق أمام المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء، مع ملف تقول هيئة الدفاع إنه يتجاوز خمسة آلاف صفحة.
استمرت الجلسة نحو خمس ساعات، قبل أن تُستأنف بعد ساعة لثلاث ساعات أخرى. والمضواحي، المتخصص في علم الأوبئة والصحة العامة، أمضى أكثر من ثلاثة عقود في القطاع الصحي وعمل مستشارًا لمنظمة الصحة العالمية في اليمن، وارتبط جزء من عمله ببرامج التحصين واللقاحات.
وتقول أسرته ودفاعه إن عمله مع المنظمات الصحية وبرامج التحصين وموقفه من اللقاحات ظهر ضمن التحقيقات معه. وبحسب روايتهما، تعرض المضواحي لضغوط للاعتراف بأن منظمة الصحة العالمية جندته للتجسس، وبأن لقاحات الأطفال ضارة، وهو ما قالا إنه رفضه.
وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة الصحة التابعة لسلطات صنعاء نفاد مخزون عدد من اللقاحات الأساسية، وحمّلت المنظمات الدولية مسؤولية تعثر الإمدادات، داعية إلى توفير اللقاحات للأطفال.
هنا تبدأ المفارقة التي يتتبعها هذا التقرير:سلطة تقول اليوم إن اللقاحات ضرورية وتحمّل الآخرين مسؤولية نقصها، بينما يكشف سجل السنوات السابقة مواقف وفعاليات رسمية شككت في اللقاحات، إلى جانب إجراءات طالت عاملين في المنظمات الدولية.
يتتبع التقرير هذه المفارقة من خلال قضية المضواحي، وسجل مواقف سلطات صنعاء من اللقاحات، واحتجاز العاملين في المنظمات الدولية، ثم أثر تراجع التحصين وعودة الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات على الأطفال.
اللقاحات.. من أزمة صحية إلى سجالات سياسية
في 31 يوليو/تموز 2026، حذرت وزارة الصحة العامة والسكان التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من تعثر وصول اللقاحات وخدمات التحصين إلى المناطق الخاضعة لسلطات صنعاء، وقالت إن نحو خمسة ملايين طفل مهددون بالحرمان من اللقاحات الروتينية.
وقالت الوزارة إن اللقاحات المخصصة لمختلف محافظات اليمن متوفرة لدى شركاء القطاع الصحي، واتهمت سلطات صنعاء بفرض قيود أعاقت استلامها ونقلها وتوزيعها، إلى جانب تعطيل حملات التحصين والتدخل في عمل المنظمات الإنسانية.
وبعد يومين، في 2 أغسطس/آب 2026، عرضت وزارة الصحة والبيئة في حكومة صنعاء التابعة للحوثيين روايتها خلال مؤتمر صحفي . وقال المتحدث باسمها أنيس الأصبحي إن انقطاع اللقاحات ناتج عن ما وصفه بـ«أزمة إنسانية مفتعلة»، وإن مخزون تسعة لقاحات أساسية نفد بالكامل، مرجعًا الأزمة إلى تعليق اليونيسف أنشطتها الإنسانية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وهكذا وضعت سلطات صنعاء أزمة نقص اللقاحات في إطار مسؤولية المنظمات الدولية، بينما حمّلت الحكومة المعترف بها دوليًا سلطات صنعاء مسؤولية عرقلة وصولها.
لكن وراء هذا السجال الحالي سؤال أقدم: كيف كان موقف سلطات صنعاء من اللقاحات قبل أن يصبح نقصها أزمة معلنة؟
8 أيام تكشف التناقض
في 31 يناير/كانون الثاني، استدعى مجلس النواب في صنعاء طه المتوكل، وزير الصحة في حكومة صنعاء التابعة للحوثيين آنذاك لمساءلته بشأن عودة انتشار الحصبة وشلل الأطفال. وقال المتوكل إن اللقاحات متوفرة، فيما طالب المجلس بتوفيرها والوصول بها إلى الأطفال في المناطق النائية، ومواجهة الشائعات التي تضعف الثقة ببرامج التحصين.
وفي 6 فبراير/شباط، أقر المجلس توصيات تضمنت اعتماد ميزانية عاجلة لإطلاق حملة تحصين واسعة ضد الحصبة وشلل الأطفال، والتنسيق مع المنظمات الدولية لدعم برامج التحصين.
وبعد يومين، في 8 فبراير/شباط، أقيمت في صنعاء ندوة بعنوان “خطورة اللقاحات على البشرية“, شارك فيها مسؤولون في سلطات صنعاء، بينهم وزير الصحة في حكومة صنعاء آنذاك طه المتوكل. وبحسب ما نشرته وسائل إعلام تابعة للحوثيين، تضمنت الندوة مداخلات تشكك في سلامة اللقاحات وفعاليتها.
وقال المتوكل خلال الندوة إن اللقاح بالنسبة إلى وزارته “ليس إلزاميًا بالمطلق”، وإن من يصر على الحصول عليه يمكن منحه اللقاح.
وفي الفعالية نفسها، أعلن عبدالعزيز الديلمي، الطبيب والأكاديمي في جامعة صنعاء ورئيس مؤسسة «صحتنا»، تراجعه واعتذاره عن موقف سابق مؤيد لما وصفه بـ” اللقاحات الغربية الصهيونية”.
وخلال ثمانية أيام فقط، انتقل الخطاب الرسمي من الحديث عن توفير اللقاحات وتدشين حملات التحصين، إلى استضافة فعالية حملت عنوانًا يحذر من “خطورة اللقاحات”.

هل كان ذلك موقفًا عابرًا؟
إذا كانت ندوة فبراير 2023 حالة منفردة، فقد يكون من الصعب اعتبارها مؤشرًا على سياسة أوسع. لكن خطاب التشكيك ظهر لاحقًا في سياقات أخرى.
ففي أغسطس/آب 2024، وثقت صحيفة الشرق الأوسط حملات في صنعاء ومناطق خاضعة لسيطرة سلطات صنعاء دعت إلى مقاطعة اللقاحات، بالتزامن مع عودة ظهور حالات شلل الأطفال.
ونقلت الصحيفة عن مواد مرتبطة بتلك الحملات مزاعم تشكك في جدوى اللقاحات، وتدعو إلى الاعتماد على ما وصفته بـ«تعزيز المناعة» بدلًا منها.
وهنا لا تعود ندوة واحدة هي موضع السؤال، بل يصبح من الضروري فحص ما إذا كان خطاب التشكيك قد تحول إلى نمط متكرر في التعامل مع اللقاحات وبرامج التحصين
ملاحقة المنظمات جزءًا من الأزمة
لا يمكن فصل أزمة اللقاحات عن القيود التي واجهتها المنظمات الدولية العاملة في اليمن.ومنذ 2021، احتجزت سلطات صنعاء موظفين يمنيين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وتوسعت الاعتقالات في يونيو/حزيران 2024 وتكررت خلال 2025. وبحلول 10 يونيو/حزيران 2026، قالت الأمم المتحدة إن 73 من موظفيها ما زالوا محتجزين تعسفيًا، وإن أحد موظفيها توفي أثناء الاحتجاز.
وقالت المنظمة إن الاحتجازات، إلى جانب التدخل في مكاتبها، قيدت قدرتها وشركاءها على تنفيذ المساعدات. وفي يناير/كانون الثاني 2026، قالت إن سلطات صنعاء دخلت إلى ستة مكاتب أممية على الأقل في العاصمة صنعاء وصادرت معدات اتصالات ومركبات.
لكن هذه الوقائع، رغم خطورتها، لا تثبت أن جميع المحتجزين استُهدفوا بسبب عملهم في التحصين أو اللقاحات. أما قضية المضواحي فتظل أكثر اتصالًا بموضوع التحقيق، وفق ما تقوله أسرته ودفاعه عن طبيعة التحقيق معه.

أطفال اليمن يدفعون الثمن
بعيدًا عن السجال السياسي، تظهر مؤشرات التحصين والمرض كلفة واضحة لفجوات التطعيم.
فبحسب اليونيسف، تراجعت تغطية الجرعة الأولى من لقاح DTP1من نحو 70% عام 2022 إلى 53% عام 2024، فيما لم تتحسن التغطية بشكل كافٍ في 2025. وتقدر المنظمة أن نحو 242 ألف طفل لم يحصلوا على جرعتهم الأولى من اللقاحات الروتينية.
وتزامن ذلك مع عودة الحصبة؛ إذ ارتفعت الحالات المشتبه بها من نحو 27 ألفًا في 2022 إلى أكثر من 50 ألفًا في 2023، مع ارتفاع الوفيات من 220 إلى 560. وفي 2024 سُجلت قرابة 39 ألف حالة مشتبه بها و328 وفاة، وكان 86% من المصابين بلا تاريخ تطعيم. وفي 2025 سجل اليمن 27,560 حالة حصبة مؤكدة و218 وفاة.
كما استمر تفشي شلل الأطفال المتحوّر من النوع الثاني، مسجلًا 187 حالة في 2024 و31 حالة في 2025.
وفي أغسطس/آب 2026، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن أكثر من 4.5 مليون طفل دون الخامسة في المحافظات الشمالية غير محصنين أو غير محصنين بما يكفي، مشيرة إلى أن مشكلات الوصول والأمن أعاقت تنفيذ الاستجابة للتفشي هناك.
وفي المقابل، أظهرت حملات التحصين في المحافظات الجنوبية الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا قدرة على الوصول إلى الأطفال؛ إذ وصلت إحدى الجولات إلى أكثر من 542 ألف طفل، بينهم نحو 120 ألف طفل لم يتلقوا أي جرعة سابقًا.
بين الخطاب والنتيجة
بين ادعاء سلطات صنعاء المطالبة باللقاحات اليوم، ومحاكمة طبيب ارتبط عمله بالتحصين واللقاحات، يكشف سجل السنوات الماضية مواقف وفعاليات وحملات شككت في اللقاحات، وقيودًا طالت عاملين ومنظمات دولية، فيما تراجعت التغطية التحصينية وعادت أمراض كان يمكن الوقاية منها.
تضع هذه الوقائع الخطاب الحالي أمام سجله السابق، وتترك للوثائق والتسلسل الزمني الإجابة عن سؤال واحد: هل تغيّر الموقف فعلًا، أم تغيّر الخطاب فقط؟
*تم توليد التصاميم بواسطة الذكاء الاصطناعي



