مستشفيات تعز.. يومان على نفاد الوقود والأكسجين

‏‏  8 دقائق للقراءة        1465    كلمة

عوافي/ حمدان سعيد

ألقت المعارك الطاحنة التي امتدت من الساحل الغربي الى مدينة تعز بظلالها على سكان المحافظة التي تكتض بأكثر من ٤،٧ مليون نسمة بحسب احصائيات حكومية ودولية صادرة عام ٢٠٢٦، منهم مايقرب من مليون نسمة سكان مركز المحافظة اضافة الى الاف النازحين الذين توافدوا اليها خلال الشهرين الأخيرين.

في مطلع اكتوبر الحالي ومع وصول القتال الى اطراف المدينة، وقع السكان تحت حصار خانق دفع السلطات والمنظمات الدولية لدق أجراس الانذار محذرين من نفاد الغذاء والدواء والوقود، وسط مخاوف شديدة من كوارث صحية محدقة في غضون أيام قليلة.

ونتيجة لذلك تواجه المستشفيات والمرافق الصحية في مدينة تعز ضغوطًا متزايدة تهدد استمرار الخدمات الطبية الأساسية، في ظل نقص الوقود والأكسجين والأدوية، وتعطل طرق الإمداد بفعل تصاعد القتال والقيود على الوصول. وتشير بيانات صحية حصلت عليها عوافي إلى أن مخزون الوقود المتاح للمنشآت الصحية لا يغطي سوى نحو أربعة أيام من الاستهلاك، فيما يبلغ العجز اليومي في احتياجات الأكسجين 201 اسطوانة يوميا.

وهنا يؤكد مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز فهد النظاري إن استمرار نقص الوقود والأكسجين والمستلزمات الطبية يهدد قدرة المرافق الصحية على استقبال الحالات الطارئة وإجراء العمليات، وقد يؤدي إلى تعطل خدمات العناية المركزة وحضانات الأطفال، ويعرّض المرضى المعتمدين على الأكسجين لمخاطر إضافية.

وأضاف الدكتور النظاري في تصريح خاص لمنصة عوافي، أن الأزمة قد تؤخر الفحوصات المخبرية والتشخيصية، وتؤثر في خدمات نقل الدم وبنك الدم، فضلًا عن خدمات الأمومة والطفولة والتحصين.

ودعا الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لتوفير الوقود والأكسجين والأدوية والمستلزمات الأساسية للمرافق الصحية، وتأمين احتياجات غرف العمليات وسيارات الإسعاف، وصيانة محطة الأكسجين في المستشفى الجمهوري، محذرًا من أن استمرار نقص الإمدادات قد يفاقم الضغط على المرافق العاملة ويؤدي إلى توقف الخدمات في عدد منها.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذير منظمة الصحة العالمية، خلال إحاطة صحفية للأمم المتحدة في جنيف في 20 أكتوبر الجاري، من أن 12 مستشفى في تعز لديها مخزون وقود يكفي لنحو أربعة أيام، وأن المدينة تواجه عجزًا يوميًا في الأكسجين، بينما لا تكفي مخزونات 115 دواءً من أصل 127 دواءً أساسيًا لأكثر من أسبوع تقريبًا.
وقال طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، خلال الإحاطة، إن استمرار صعوبات الوصول يعيق إيصال الإمدادات الضرورية إلى المستشفيات. ويعني ذلك أن خطر تراجع الخدمات قد يتفاقم خلال الأيام المقبلة ما لم تصل إمدادات جديدة، دون أن يمثل ذلك إعلانًا رسميًا عن موعد مؤكد لتوقف المستشفيات.

12 مستشفى ومرفقًا تخصصيًا في دائرة التهديد
وتشير البيانات الصحية التي حصلت عليها عوافي إلى وجود مستويات متفاوتة من التهديد التشغيلي لدى 12 مستشفى ومرفقًا تخصصيًا مدرجًا في القائمة، تشمل مرافق مرجعية تقدم خدمات الطوارئ والجراحة والأمومة والطفولة، إلى جانب علاج الأورام وأمراض القلب وغسيل الكلى والفحوصات المخبرية ونقل الدم.
ويزيد تنوع الخدمات التي تقدمها هذه المنشآت من حساسية الوضع؛ إذ قد يؤدي تعطل الوقود أو الأكسجين أو نقص المستلزمات إلى تعطيل أكثر من خدمة في المرفق الواحد، ورفع الضغط على المستشفيات التي لا تزال تعمل.
وتتضمن البيانات أيضًا 48 مركزًا ووحدة للرعاية الصحية الأولية مصنفة ضمن مستوى التهديد المتوسط، في ظل مخاوف من تراجع مخزونات اللقاحات والأدوية الأساسية المرتبطة بصحة الأم والطفل. وقد ينعكس استمرار النقص على خدمات التحصين ورعاية الأطفال والحوامل، ويحد من قدرة المراكز على تقديم الرعاية المبكرة للحالات المرضية.
وتنسجم هذه المؤشرات مع ما أعلنته اليونيسف في تحديثها المنشور في 11 أكتوبر 2026، من أن 98 مرفقًا صحيًا في تعز يعمل جزئيًا أو خارج الخدمة. ويشير هذا الرقم الأممي إلى حجم الاضطراب في القطاع الصحي، لكنه لا يعني أن المرافق الـ98 متوقفة بالكامل.

الوقود.. أقل من أربعة أيام من الاستهلاك
وتوضح البيانات التي حصلت عليها عوافي أن الاحتياج اليومي للوقود لدى 13 منشأة وخدمة صحية يبلغ 5,336 لترًا، مقابل مخزون متاح قدره 20,394 لترًا. وبناءً على هذه الأرقام، لا يغطي المخزون سوى نحو 3.8 أيام من الاستهلاك.
وتصل الاحتياجات الشهرية إلى 160,080 لترًا، وترتفع إلى 480,240 لترًا لثلاثة أشهر. وتوضح هذه الفجوة حجم الإمدادات المطلوب تأمينها لاستمرار تشغيل المولدات والمعدات والخدمات الطبية الأساسية، بما في ذلك خدمات الطوارئ والإسعاف.
ولا تقتصر أهمية الوقود على استمرار الكهرباء داخل المستشفيات، بل تمتد إلى تشغيل محطات الأكسجين وضمان عمل المعدات الطبية وحفظ الأدوية واللقاحات التي تحتاج إلى ظروف تخزين مناسبة.

عجز يومي في الأكسجين يبلغ 201 اسطوانة
وتظهر البيانات أن الاحتياج اليومي للأكسجين يبلغ 328 اسطوانة، في حين لا تتجاوز الطاقة الإنتاجية اليومية للمصانع المدرجة 127 اسطوانة، ما يترك عجزًا قدره 201 اسطوانة يوميًا.
وتشمل قائمة الإنتاج خمسة مصانع أو خطوط إنتاج، أحدها متوقف وفق البيانات، بينما تعمل بقية المصادر بطاقة محدودة مقارنة بالاحتياج. ويؤدي نقص الوقود وصعوبات التشغيل والإمداد إلى زيادة المخاطر المرتبطة باستمرار توفير الأكسجين للأقسام الطبية التي تعتمد عليه.
ويكتسب العجز أهمية خاصة بالنسبة إلى مرضى العناية المركزة والطوارئ والعمليات الجراحية وحديثي الولادة، الذين قد يحتاجون إلى الأكسجين بصورة مستمرة. ومع ذلك، فإن تحديد عدد المرضى المتأثرين مباشرة بهذا العجز يتطلب بيانات محدثة من المستشفيات عن الاستهلاك والمخزون والتوزيع.

127 صنفًا دوائيًا و38 نوعًا من المستلزمات الطبية
وتشمل الاحتياجات المدرجة في البيانات 127 صنفًا دوائيًا و38 نوعًا من المستلزمات الطبية، تغطي قطاعات متعددة من الرعاية الصحية، من الطوارئ والإنعاش إلى العمليات الجراحية والأمراض المزمنة والفحوصات المخبرية.
وتضم قائمة الأدوية مضادات حيوية، وأدوية للتخدير والإنعاش، ومسكنات، وأدوية القلب، ومحاليل وريدية، وأدوية تستخدم في علاج الحالات الحرجة. كما تشمل قائمة المستلزمات أكياس الدم، والقساطر، والكانولا، وخيوط الجراحة، والضمادات والشاش، والقفازات، والحقن، وأقنعة الأكسجين لحديثي الولادة.

وتشير منظمة الصحة العالمية، بصورة مستقلة، إلى أن مخزونات 115 من أصل 127 دواءً أساسيًا في تعز تكفي لأسبوع أو أقل. ويعكس ذلك اتساع فجوة الإمدادات، وإن كانت القائمة الأممية للأدوية الأساسية لا تُعد بالضرورة مطابقة تمامًا لقائمة الاحتياجات التشغيلية الواردة في البيانات المحلية.
ولا تتوافر في البيانات المنشورة التي راجعناها قيمة موحدة يمكن الاستناد إليها لتحديد التكلفة المالية الإجمالية لتأمين جميع الأدوية والمستلزمات المطلوبة؛ لذلك ينبغي تحديد هذه التكلفة بعد استكمال الكميات والأسعار الحالية من الموردين.

الأزمة تمتد إلى المياه والتغذية وصحة الأطفال
وتتجاوز المخاطر حدود المنشآت الصحية لتشمل خدمات المياه والصرف الصحي والتغذية. ففي إحاطة الأمم المتحدة بجنيف في 20 أكتوبر، حذرت اليونيسف من أن نقص الديزل يهدد تشغيل محطات ضخ المياه التي تخدم نحو ثلاثة ملايين شخص في تعز، كما أشارت إلى أن تكلفة المياه المنقولة بالشاحنات ارتفعت إلى ثلاثة أمثالها منذ تصاعد القتال الأخير.
وذكرت المنظمة أن فرقها فحصت أكثر من 168 ألف طفل في تعز خلال العام الجاري، وأن أكثر من 52 ألف طفل منهم يعانون سوء التغذية الحاد. كما حذرت من أن تراجع خدمات المياه والنظافة والصرف الصحي يزيد مخاطر الأمراض الإسهالية والكوليرا.
وتزداد خطورة هذه المؤشرات مع تعطل طرق الإمداد، إذ أوضحت اليونيسف أن الأغذية العلاجية التي سبق تخزينها لم يكن بالإمكان إيصالها إلى عدد من المرافق الصحية بسبب إغلاق الطرق وصعوبة الوصول.

ما الذي تحتاجه الاستجابة العاجلة؟
تكشف الأرقام عن حاجة إلى استجابة متعددة المسارات، تبدأ بتأمين الوقود والأكسجين للمستشفيات والمرافق المرجعية، وتوفير الأدوية والمستلزمات التي أوشكت مخزوناتها على النفاد، مع ضمان وصول الإمدادات إلى المرافق الصحية الأولية في المديريات.
وتشمل الأولويات أيضًا استعادة القدرة الإنتاجية للأكسجين، وتحديث قوائم المخزون والاستهلاك بصورة منتظمة، وتحديد المرافق الأكثر عرضة للتوقف، وتنسيق الدعم بين السلطات الصحية والمنظمات الإنسانية وفق الاحتياجات الفعلية.
كما أن فتح طرق آمنة ومستدامة أمام حركة المرضى والكوادر والإمدادات يمثل شرطًا أساسيًا لضمان وصول الأدوية والأغذية العلاجية والوقود إلى المرافق والمجتمعات المحتاجة.

أزمة قابلة للتفاقم.. والتحرك المبكر ضرورة
تُظهر البيانات المتاحة أن الوضع الصحي في تعز لا يواجه نقصًا منفردًا، بل تزامنًا بين فجوات الوقود والأكسجين والأدوية والمستلزمات، واضطراب خدمات الرعاية الأولية، وصعوبات الوصول إلى المياه والإمدادات العلاجية.

ومع تحذير منظمة الصحة العالمية من محدودية مخزون الوقود والأدوية، وبيانات اليونيسف بشأن تعطل المرافق الصحية ومخاطر المياه وسوء التغذية، فإن تأمين الإمدادات بصورة عاجلة ومنتظمة يمثل ضرورة لحماية الخدمات المنقذة للحياة.
وتؤكد عوافي أهمية استمرار رصد الوضع الصحي ونشر البيانات الموثوقة بشأن الاحتياجات والاستجابة، بما يدعم اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة، ويساعد الجهات الصحية والمنظمات الإنسانية على توجيه الموارد إلى المرافق والفئات الأكثر احتياجًا.

 

* الصورة الرئيسية عن موقع الجزيرة نت

* تم تنفيذ التصاميم باستخدام الذكاء الاصطناعي