11 دقائق للقراءة 2072 كلمة
تقرير : أمل السبلاني/
“كنت أبكي كل يوم، وأرى وأسمع أشياءً غير موجودة، حتّى أنني تمنيت أن أموت وأن تموت رضيعتي على أمل أن نتخلّص من العذاب”، بهذه الكلمات تصف أم أريج (27 عاماً) معاناتها النفسية التي بدأت في أثناء حملها الثاني، مطلع 2025، مع مشكلات صحية وأرق شديد، ثم ازدادت بعد ولادة متعسّرة.
تقول أم أريج إن القابلات والممرضات وبّخنها وصرخن في وجهها في أثناء الولادة لأنها لم تقوى على التحكّم في الطلق، ما أدّى، بحسب روايتها، إلى انقطاع الطلق، بينما كانت تخشى على حياة مولودتها. ولم تنتهِ معاناتها بمغادرة المستشفى، فبعد ستة أيام من الولادة، أجبرها زوجها على ممارسة العلاقة الزوجية، وطُلب منها خدمة الضيوف رغم وضعها الصحي. كما لم تتلقَّ علاجاً لمشكلاتها الصحية. ومع تدهور حالتها النفسية، أحضر زوجها لها دواءً نفسيّاً من دون استشارة طبيب.
علامات لا ينبغي تجاهلها
يؤكد استشاري أول الطب النفسي وزميل الكلية الملكية البريطانية للأطباء النفسيين، الدكتور وليد سرحان، أن تقلّبات المزاج والقلق بعد الولادة يستدعيان تقييماً طبياً إذا استمرّا أو أثّرا في نوم الأم وقدرتها على رعاية نفسها وطفلها.
يقول ممثّل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن إنه بالنسبة إلى الأمهات النازحات، يجب ألّا تعني الولادة مواجهة القلق والصدمات ومرحلة التعافي بمفردهن، مشدّداً على أن “الدعم النفسي والاجتماعي مكونين أساسيين للرعاية المنقذة للحياة للأمهات”
ويحذّر سرحان من أن بعض الأعراض -كالتي تحدّثت عنها أم أريج- مثل رؤية مشاهد أو سماع أصوات غير موجودة، أو التفكير في إيذاء النفس أو الطفل، علامات خطر تستدعي تدخّلاً عاجلاً ومتابعة طبية. ويوضح أن هذه الاضطرابات قد تظهر للمرة الأولى بعد الولادة، ولا تعني ضعف الأم أو تقصيرها.
ويرتبط الاكتئاب في هذه الحالات، والحديث ما يزال لسرحان، بعوامل منها الضغوط والصدمات وضعف الدعم الاجتماعي أو غيابه، بينما يرتبط ذُهان ما بعد الولادة بعوامل أخرى، منها الاضطراب ثنائي القطب أو حدوث ذهان بعد ولادة سابقة.
ولا تقتصر المعاناة النفسية على الحالات التي تظهر فيها أعراض شديدة إذ قد تؤدّي الضغوط الأسرية أيضاً إلى تدهور الصحة النفسية للأم. وهذا ما عاشته سعاد (اسم مستعار لطبيبة، 33 عاماً)، التي بدأت معاناتها في الشهر السادس من حملها الثاني، قبل نحو عامين، بفعل سوء معاملة والدة زوجها لها.
أحد المواقف التي تتذكّرها حين كانت نائمة بجانب طفلها الأول في الصباح الباكر، وطرقت والدة زوجها الباب الداخلي للمنزل بقوة، ما أفزعها وأفزع طفلها. وعندما فتحت لها سعاد وسألتها عن سبب طرق الباب بهذه القوة، أنكرت الحماة أنها طرقته بعنف، ثم ابتسمت ودخلت المنزل وكأن شيئاً لم يحدث. تقول سعاد إن هذا الموقف زاد من اضطرابها النفسي، في ظل ما كانت تتعرّض له من سوء معاملة خلال تلك الفترة.
كما تعزو ولادتها المبكرة إلى تدهور حالتها النفسية عقب الحادث. وبعد يومين من الولادة، بدأت تظهر على سعاد أعراض تصفها بـ”الاكتئاب”، استمرت ستة أشهر وأثّرت على دراستها للطب وعملها. تقول: “كنت أتمنى الموت أنا وابني لأني لا أستطيع تركه وحيداً”.
لم تتمكن سعاد أيضاً من مراجعة طبيب/ة لأنها لم تستطع مغادرة المنزل. ورغم تحسّن حالتها جزئياً بفعل الدعم النفسي والمساندة والراحة التي حظيت بها من قبل أهلها وتحديداً شقيقاتها، تقول إنها لا تزال تعاني من الاكتئاب بعد مرور عامين.
غياب الفحص والتقييم الروتيني في المستشفيات.
بحسب منظمة الصحة العالمية في اليمن، تندرج الصحة النفسية للأمهات ضمن “حزمة الخدمات الدنيا” المعتمدة من وزارة الصحة العامة والسكان، وتشمل فحص الصحة النفسية خلال فترة الحمل، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للوقاية من اكتئاب ما بعد الولادة، وذلك باستخدام أدوات فحص معتمدة، مثل مقياس إدنبرة لاكتئاب ما بعد الولادة (EPDS) واستبيان صحة المريض (PHQ-9).
ووفقاً لسرحان وتوصيات منظمة الصحة العالمية، لا يتطلّب استخدام هذه الأدوات بنية تحتية معقدة أو أقساماً نفسية متخصّصة، حيث يمكن البدء بأسئلة تقييمية أولية، إلى جانب تدريب القابلات والعاملين/ات الصحيين/ات على تطبيقها.
لكن استطلاعاً أُجري لصالح هذا التقرير، وشمل 44 أماً في عدة محافظات عالية الكثافة السكانية (هي: تعز، وعدن، وصنعاء، والحديدة، وحضرموت)، يكشف الفجوة بين هذه التوصيات وبين الرعاية المقدَّمة إذ أشارت 37 أماً إلى أن الكوادر الطبية لم تسألهن عن حالتهن النفسية، ولم تتلقَ 41 أماً توعية بالتغيّرات النفسية المحتملة بعد الولادة، فيما لم تخضع أي من المشاركات لفحصٍ نفسي. وأفادت 26 أماً بأن حالتهن النفسية أثّرت في قدرتهن على رعاية أنفسهن وأطفالهن.
تعزّز هذه النتائج ملاحظات رصد شمل 21 مستشفى في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت والمهرة، أشار إلى محدودية التقييم النفسي المنتظم وغياب مسارات إحالة واضحة للحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصّصة.
وفي شهادة من مستشفى تريم العام بحضرموت، تقول إحدى القابلات -مفضّلةً عدم ذكر اسمها- إن المتابعة تركّز على صحة الأم الجسدية، ولا يُسأل عن حالتها النفسية إلا إذا بادرت بالشكوى أو طلبت المساعدة.
أما في تعز، فتوضح أخصائية أمراض النساء والتوليد، الدكتورة سارة الصبري، أن مستشفيات الجمهوري والثورة والمظفر تضم عيادات نفسية عامة، لكنها لا تقدّم خدمات مخصّصة للأمهات خلال الحمل وبعد الولادة. وقد تحيل بعض الطبيبات الأمهات اللاتي تظهر عليهن مؤشّرات الاكتئاب إلى هذه العيادات، لكن الإحالة لا تتبعها متابعة متخصّصة لهن.
وفي المهرة، تعثَّر مشروع للصحة النفسية للأمهات في مستشفى الغيضة رغم اعتماد تمويله من صندوق الأمم المتحدة للسكان، بحسب رئيس قسم الأمومة والطفولة في المستشفى، الدكتور عبد الرحمن النهاري، الذي يعزو ذلك إلى عدم توفّر أخصائية نفسية اشترط الصندوق وجودها لتقديم الخدمة للنساء، رغم وجود طبيبين نفسيين في المستشفى.
في اليمن حيث لا يوجد سوى 46 طبيباً نفسياً، بمعدّل طبيب نفسي واحد لكل 700 ألف نسمة تقريباً، ولا تقدِّم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي سوى 6% من المرافق الصحية، تأتي الصحة النفسية للأمهات ما بعد الولادة ضمن “حزمة الخدمات الدنيا”
جهود لا تصل إلى الجميع
في إفادته لمعدة التقرير، يعزو ممثّل منظمة الصحة العالمية في اليمن، الدكتور سيد حسين، قصور إدماج الصحة النفسية للأمهات في خدمات الرعاية إلى نقص الأخصائيين والممرضات المدرَّبات، وضعف التمويل اللازم للتدريب وتوفير بروتوكولات الفحص والمساحات التي تضمن سرية الاستشارات.
ويوضح حسين أن منظمة الصحة العالمية تدعم وزارة الصحة في تكييف البروتوكولات مع السياق اليمني، وتدريب العاملين الصحيين والقابلات والعاملين المجتمعيين، وتحسين رصد الخدمات، وتوفير تدخّلات قائمة على الأدلة لعلاج اكتئاب ما حول الولادة.
ومن الجهود العملية في هذا المجال، إطلاق وزارة الصحة ولجنة الإنقاذ الدولية في عدن دليل “التفكير الصحي” في أيار/ مايو 2024، لتدريب العاملين الصحيين على دعم النساء خلال الحمل وبعد الولادة.
وتوضح المديرة العامة للإدارة العامة للصحة الإنجابية في وزارة الصحة في عدن، الدكتورة إقبال شائف، أن تطبيق الدليل توسّع بعد اعتماده وتدريب العاملين عليه، لكنه لم يصل إلى جميع المرافق الصحية. ويشمل جلسات دعم نفسي تقدمها القابلات للأمهات، وزيارات منزلية تنفّذها القابلات المجتمعيّات للاطمئنان على حالتهن وظروفهن. وتُقدم جلسات دعم للحالات البسيطة، بينما تُحال الحالات الأكثر تعقيداً إلى مرافق تضم مختصّين في الصحة النفسية.
لكن توسيع تطبيق الدليل يظل مرهوناً بتوفّر المختصّين والتمويل، بحسب شائف، التي تشير إلى أن تدريب العاملين عليه يستغرق من 7 إلى 10 أيام. كما أن إحالة الأم إلى العلاج لا تضمن حصولها عليه، لأن الجهات الداعمة لا تغطّي تكاليفه في جميع الحالات، رغم بدء منظمات، ومنها “يمان”، بتوفير قسائم للمستفيدات من خدمات الدعم النفسي.
النزوح وأعباء الصحة النفسية
تزداد صعوبة الحصول على الرعاية النفسية لدى الأمهات النازحات، اللواتي يواجهن إلى جانب تبعات الولادة ضغوطاً إضافية، منها مرض الأطفال وفقدان مصدر الدخل والعجز عن تحمّل تكاليف العلاج. وهذا ما عاشته لينا عبد الواحد (25 عاماً) بعد نزوحها من صنعاء إلى تعز.
تقول لينا إن هذه الضغوط دفعتها إلى القلق والاكتئاب، وترافق ذلك مع انقطاع حليبها. ورغم معاناتها، لم تتلقَ متابعة نفسية أو توعية بالأعراض التي تستدعي طلب المساعدة وكيف تتصرف حينها.
من جانبها، توضح استشارية الطب النفسي والمحاضرة السريرية الأولى في كلية كينغز لندن، الدكتورة روكسان كينجهاد، في حديثها إلى معدة التقرير، أن الفقر والحروب والنزوح، تزيد من الأعباء النفسية على النساء، خصوصاً حين تعزلهن عن شبكات الدعم الأسري والمجتمعي. واستشهدت روكسان بمراجعة علمية نُشرت في مجلة “JAMA Psychiatry” عام 2023، حلّلت 589 دراسة شملت أكثر من 616 ألف امرأة في 51 بلداً منخفض ومتوسط الدخل، وقدّرت انتشار اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة بنحو 24.7%.
وعن واقع الأمهات النازحات في اليمن، يقول ممثّل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، فرانشيسكو غالتيري، في تصريح لمعدة التقرير، إنه بالنسبة إلى الأمهات النازحات، يجب ألّا تعني الولادة مواجهة القلق والصدمات ومرحلة التعافي بمفردهن، مشدّداً على أن “الدعم النفسي والاجتماعي مكونين أساسيين للرعاية المنقذة للحياة للأمهات”.
وبحسب تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2026، يوجد أكثر من 4,700 امرأة حامل نازحة، كان منتظراً أن تلد 530 منهن خلال تشرين الأول/ أكتوبر المنقضي، فيما تواجه 30% من حالات الحمل مخاطر المضاعفات والإجهاض.
خدمات محدودة وعوائق متعدّدة
ويستعرض صندوق الأمم المتحدة للسكان، في إفادة تلقّتها معدة التقرير، الخدمات التي يقدّمها لدعم الصحة النفسية للأمهات، إلى جانب العوائق التي تحد من وصول النساء إليها، موضحاً أنه يدمج الدعم النفسي والاجتماعي في خدمات الصحة الإنجابية عبر المرافق الصحية والفرق الطبية المتنقّلة، ويدرب كوادر صحية في عشر محافظات ضمن برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية (mhGAP)، لتقييم الحالات وإحالتها إلى الرعاية المتخصّصة.
وبحسب الإفادة، تشمل قنوات الدعم المتاحة للأمهات النازحات، القابلات والفرق الطبية، و15 مساحة آمنة للنساء والفتيات يدعمها الصندوق، والملاجئ، والإحالة إلى ستة مراكز متخصّصة في الصحة النفسية. كما تعمل آلية الاستجابة السريعة المشتركة بين وكالات الأمم المتحدة على تحديد احتياجات الحوامل والأمهات بعد الولادة بين النازحين وإحالتهن إلى الخدمات المناسبة.
في المقابل، أشار الصندوق إلى عوائق تحد من الوصول إلى الرعاية إذ لا يضم اليمن سوى 46 طبيباً نفسياً، بمعدّل طبيب نفسي واحد لكل 700 ألف نسمة تقريباً، ولا تقدِّم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي سوى 6% من المرافق الصحية، فيما توفّر 2% رعاية متخصّصة، وتقدِّم 23% الإسعافات الأولية النفسية.
كذلك، لم يتلقَ الصندوق سوى 20% من أصل 71 مليون دولار طلبها لتمويل استجابته الإنسانية في اليمن لعام 2026. وتزيد تكاليف التنقّل والنزوح وانعدام الأمن وتعطّل المرافق الصحية من صعوبة وصول الأمهات إلى الخدمات.
تنبّه الأغبري إلى أن يكون السؤال عن الحالة النفسية للأم ينبغي أن يكون جزءاً من رعاية ما بعد الولادة، وأن تتبعه إحالة وعلاج ومتابعة، محذّرةً من أن بعض الأعراض المؤقتة قد تستحيل اضطراباً مزمناً إذا أُهمل علاجها
الصحة النفسية للأم… حق لا رفاهية
وفي حديثه إلى معدة التقرير، يشير رئيس قسم الصحة العالمية والطب الاجتماعي في كلية الطب في جامعة هارفارد، البروفيسور فيكرام باتل، إلى أن مشكلات الصحة النفسية خلال الفترة المحيطة بالولادة قد تبقى خفيّة، رغم آثارها المحتملة على صحة الأم والطفل ونموه.
ويؤكد باتل أنه رغم فعالية التدخلات النفسية والاجتماعية الموجزة التي يمكن أن يقدّمها العاملون الصحيون، إلا أن الغالبية العظمى من النساء في بلدان الجنوب العالمي لا يحصلن على الرعاية التي تساعدهن على التعافي.
من جانبها، تلفت رئيسة مؤسسة المرأة الآمنة للتنمية والمستشارة الأسرية، ابتهال الأغبري، إلى أن الخوف من الوصمة أو الشعور بالذنب قد يدفع الأم إلى إخفاء معاناتها. لذلك، ينبغي أن يكون السؤال عن حالتها النفسية جزءاً من رعاية ما بعد الولادة، وأن تتبعه إحالة وعلاج ومتابعة عند الحاجة حتى وإن بدت مبتسمة وتقوم بواجباتها وتعتني بطفلها، مشدّدةً على أنه لا تكتمل رعاية الأم من دون رعاية صحتها النفسية، ولا يكفي اكتشاف معاناتها ما لم تصل إلى المساعدة التي تحتاجها، محذّرةً من أن الأعراض المؤقتة قد تستحيل اضطراباً مزمناً في حالة الإهمال.
أُنجزت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع “أول هدية”.
أُنجزت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع «أول هدية» الذي تنفذه بالشراكة مع المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي وبدعم من منظمة اليونيسف وبنك التنمية الألماني ( KFW).
ونشرت بالتزامن مع منصة ” رصيف ٢٢”


