26 دقائق للقراءة 5023 كلمة
الدكتور مهند النسور المدير التنفيذي للشبكة الشرق أوسطية للصحة المجتمعية(امفنت) في حديث خاص:
لا أمن صحي دون رصد وبائي قوي وتعاون إقليمي فعّال
فجوات التحصين وعودة الأمراض المستأصلة.. تحدٍ متصاعد في دول النزاع
التضليل الصحي في أوقات الأزمات: معركة الثقة بين المجتمع والأنظمة الصحية
رسالة إلى صناع القرار والعاملين الصحيين: الصحة تبدأ من الاستعداد والجاهزية والوقاية لا من الاستجابة للطوارئ الصحية
إقليمٍ يرزح تحت وطأة الصراعات الممتدة، تتعرض فيه الأنظمة الصحية لضغوط غير مسبوقة، تعود الأوبئة القديمة إلى الواجهة، وتتسع فجوات التحصين، بينما تتضاعف مخاطر تضليل المعلومات الصحية وانخفاض الثقة المجتمعية. مشهد صحي معقّد يضع دول اقليم شرق المتوسط، واليمن في مقدمتها، أمام اختبار قاسٍ لقدرتها على الصمود والاستجابة للطوارئ الصحية.
في هذا الحوار، نفتح ملف الصحة العامة في الإقليم مع الدكتور مهند النسور ، المدير التنفيذي للشبكة الشرق أوسطية للصحة المجتمعية (امفنت) إحدى أبرز المنظمات الإقليمية التي تعمل في مجال الصحة العامة من خلال تعزيز الرصد الوبائي، وبناء قدرات القوى العاملة المحلية، واجراء البحوث الصحية لتوفير البيانات الصحية إلى صناع القرار من أجل إنقاذ الأرواح على أرض الواقع.
يتحدث الدكتور النسور بصراحة عن التحديات الصحية الكبرى التي تواجه إقليم شرق المتوسط وشمال أفريقيا، من عودة الأمراض المستأصلة وتراجع تغطية اللقاحات، إلى آثار النزاعات وتغير المناخ، ودور الإعلام في مواجهة الشائعات الصحية. كما يشرح كيف تحوّلت امفنت إلى جسر يربط الخبرة العلمية بالاستجابة الميدانية، عبر تدريب الوبائيين الميدانيين (FETP) ودعم الأنظمة الصحية في البيئات الأكثر هشاشة.
حوار يقدّم قراءة عميقة لمستقبل الصحة العامة في المنطقة، ويطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للإقليم أن ينتقل من الاعتماد على الاستجابة الطارئة إلى بناء منظومة صحية أكثر مرونة واستدامة، تضع حق الإنسان في الصحة في مقدمة اولوياته؟ .. نأخذكم إلى التفاصيل:
عوافي/محمد غبسي
كيف تقيمون قدرة إقليم شرق المتوسط على الاستجابة للطوارئ الصحية في ظل التحديات والصراعات الحالية ؟
لا شك أن الصراعات تنهش الأنظمة الصحية بلا رحمة، ووفقا لتقييمنا، يمكنني القول وبكل شفافية أن قدرة دول المنطقة على الاستجابة متباينة ومُنهكة، وهنالك دول تمتلك كوادر متميزة، لكن البنية التحتية مهدّمة أو مرهقة بفعل النزوح والضغط السكاني، وأن الوضع أشبه بمسعف يحاول إسعاف مصاب بجروح خطيرة وهو مصاب أيضًا.
والتحدي الأكبر ليس في المعرفة، بل في استدامة التمويل، وتأمين الممرات اللوجستية، والأهم: حماية الكوادر الصحية ، وإننا نُصِر على الاستثمار في الكوادر المحلية، فهم الركيزة الوحيدة القادرة على الصمود عندما يرحل الجميع.

تشير تقارير الصحة العالمية إلى أن أكثر من 12 مليون طفل في إقليم شرق المتوسط غير مكتملَي التحصين ضد الأمراض القابلة للوقاية باللقاح. ما الأسباب الرئيسة لهذه الفجوات، وكيف يمكن سدّها؟
أصدقك القول بأن في هذا الجانب ألم لا يُحتمل، وعندما نتحدث عن أكثر من 12 مليون طفل غير مكتملي التحصين في الإقليم، فإننا نتحدث عن جيل كامل في خطر، والأسباب الرئيسة ليست طبية، بل إنسانية ولوجستية وهي:
• الأمن والوصول: لا يمكن لفرق التطعيم الوصول إلى الأطفال في مناطق النزاع والقرى النائية.
• التهجير والنزوح: العائلات النازحة تفقد سجلات أطفالها، وينقطع تسلسل تطعيمهم.
• ثقة المجتمع والمعلومات المضللة (وهو الأخطر): الخوف والأكاذيب حول اللقاحات يحجبان الحقائق.
كيف نسد هذه الفجوة؟
الأمر يتطلب منا جهدًا مجتمعيًا إنسانيًا: ويجب أن نذهب إلى حيث الأطفال، لا أن ننتظرهم. وأن نرسل رسائل موثوقة من خلال أئمة ووجهاء المجتمع، لا من جهات مجهولة المصدر، وحتمية أن نرى جميعا التطعيم كواجب أخلاقي وانساني ووطني.
في اليمن، سُجلت أكثر من 250 ألف حالة اشتباه بالكوليرا في 2024. كيف تنظر امفنت إلى سُبل تعزيز أنظمة الرصد الوبائي في بيئات ضعيفة وهشة البنية مثل اليمن؟
بالنسبة للأرقام بخصوص الكوليرا في اليمن فهي تمثل صرخة استغاثة إنسانية قبل أن تكون إحصائية، ففي بيئة ضعيفة وهشه مثل اليمن، حيث المياه النظيفة والخدمات الأساسية ترف، لا يمكن الاعتماد على الطرق التقليدية.
ونظرتنا في امفنت ترتكز على:
• التحول من “رد الفعل” إلى “التنبؤ”: استخدام تحليلات متقدمة لبيانات المناخ والمياه وحركة النزوح لتوقع أين سيظهر الوباء لاحقًا.
• الوبائي المحلي أولاً: تدريب المزيد من اخصائي الوبائيات الميدانين (FETP) الذين يعرفون كل شبر من قراهم ويستطيعون الوصول إلى الحالات في الساعات الأولى من الوباء.
• الترابط الرقمي البسيط: الاعتماد على أنظمة بسيطة وفعالة للإنذار المبكر (EWARN) لا تتطلب بنية تحتية معقدة، وتعتمد على الهواتف المحمولة للوبائيين الميدانيين.
ما تقييمكم لوضع أنظمة الإنذار المبكر والترصد (EWARS) في المنطقة؟ وأين تقف اليمن مقارنة بالدول الأخرى؟
أنظمة EWARN هي انظمة الإنذار المبكر والرصد في الإقليم. بشكل عام، وقد شهدت المنطقة تحسنًا كبيرًا مدفوعًا بالحاجة الملحة (مثل سوريا واليمن).
واليمن في صف الدول الأكثر اعتمادًا على هذا النظام بسبب الصعوبات التي يواجهها نظام رصد الأمراض الروتيني، وهذا النظام أنقذ آلاف الأرواح في اليمن، لكنه ما زال نظامًا هشًا، يعتمد على دعم مستمر، ويواجه تحديات الوصول إلى المناطق الصعبة واستدامة التدريب والموارد، ورغم انه لا زال يعمل، إلا أنه تحت ضغط هائل.
ما هي عوامل الرصد الوبائي الفعّال في بيئات الحرب؟
في بيئات النزاع، لا بد أن يكون الرصد الوبائي أكثر مرونة وقوة، وهناك اربعة عوامل أساسية :
1. الكوادر المدربة محلياً (فرق الاستقصاء الميداني): أشخاص مدربون على الطريقة العلمية ومخلصون لوطنهم، لا يغادرون عند الأزمة.
2. المرونة والتبسيط اللوجستي (القدرة على الحركة): أنظمة لا تعتمد على الكهرباء أو الإنترنت الثابت، بل على التواصل السريع، والنماذج المبسّطة، والوصول إلى المناطق البعيدة.
3. الثقة المجتمعية (عيون وآذان النظام الصحي): تدريب وتمكين المجتمع والمرافق الصحية الأولية غير التقليدية (العاملون الصحيون المجتمعيون) كجزء من نظام الرصد ليصبحوا خط الإنذار الأول.
4. المختبرات المتنقلة (قوة الإثبات): القدرة على تشخيص الأمراض سريعاً في الموقع، دون الحاجة لنقل العينات لمسافات طويلة، لتسريع الاستجابة.

عادت حالات شلل الأطفال في بعض مناطق النزاع، بما فيها اليمن، رغم الإعلان عن خلوّها منه عام 2009. كيف تعمل امفنت على دعم برامج الاستجابة والاستئصال؟
ظهور حالات شلل الأطفال بعد الإعلان عن خلو الاقليم منه هو أمر مفجع، وهو نتيجة مباشرة للنزاع الذي يفكك الخدمات، و نحن في امفنت نعمل على دعم جهود الاستجابة من خلال:
• تدريب فرق الاستقصاء الوبائي الميداني: ليكونوا على أعلى مستوى من المهارة والمعرفة لتحديد مصدر الفيروس بدقة.
• تعزيز الرصد البيئي: وهي طريقة حساسة جداً لكشف الفيروس في شبكات الصرف الصحي قبل أن يصاب به الأطفال.
• حشد الكوادر المحلية: لتخطيط حملات تطعيم تكميلية عالية الجودة، تصل إلى كل طفل حتى في أصعب الظروف، نحن في النهاية ندعم الأمل في القضاء عليه مرة أخرى وضمان عدم عودته.
شهدت عدة دول في الإقليم انخفاضًا يتراوح بين 20–40% في تغطية اللقاحات منذ 2020. ما خططكم لدعم برامج التطعيم في الدول ذات التغطية المتدنية مثل اليمن؟
ان الانخفاض في التغطية هو بمثابة تراجع عن عقد من الإنجازات، وخططنا للدعم في الدول المتضررة، مثل اليمن، ترتكز على:
• تحليل جيب الفجوات (Micro-Planning): تحديد القرى والمناطق المحددة التي لم يصلها اللقاح، والوصول إليها عبر استراتيجيات مخصصة.
• إعادة بناء “سلسلة التبريد” المتضررة: ضمان أن اللقاحات تبقى فعالة في درجات الحرارة المناسبة من المستودع المركزي حتى وصولها الى الفئة المستهدفة من الأطفال.
• الشراكة مع المجتمع: لا يمكن أن تنجح حملات التطعيم كجهد حكومي منفرد، يجب أن يشارك فيها الأهل والوجهاء والمؤسسات المدنية وكافة فئات المجتمع.
كيف يمكن تعزيز ثقة المجتمع باللقاحات في بيئة تتزايد فيها المعلومات الصحية المضللة؟
الأمر ممكن جدا، ودعنا نتفق بأن الشك في اللقاحات هو الوباء الجديد والأكثر خفاءً، ولا يمكننا كسب المعركة بفرض المعلومة، بل بـبناء الثقة الإنسانية المتبادلة وذلك من خلال:
1. تمكين الكادر الصحي المحلي: عندما يثق الناس في طبيب قريتهم أو الممرضة التي ولدت أطفالهم، فإنهم يثقون في رسالتها، يجب تدريب هذا الكادر ليكونوا أفضل مثقفين ومعززين صحيين.
2. تضخيم الأصوات الموثوقة: استخدام منصات ووسائل إعلام محلية وإقليمية موثوقة (الأئمة، قادة المجتمع، المشاهير المحبوبين) لنشر الحقائق بأسلوب قصصي ومؤثر والتاثير على المجتمع من خلال تمكن افراده باتخاذ القرار السليم لحماية اطفالهم المدعوم بالمعلومة العلمية الراسخة.
3. الشفافية المطلقة: الاعتراف بأي آثار جانبية نادرة بشكل علني ومناقشتها بعلمية وإنسانية.
تشير أبحاث الصحة العامة إلى أن انتشار الشائعات الصحية يتضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال الأزمات، ما أكثر أنواع التضليل الصحي انتشارًا في المنطقة؟
في الأزمات، ينتشر التضليل مثل النار في الهشيم لأنه يلعب على وتر الخوف وانعدام الثقة، و الأكثر انتشاراً هي:
• التضليل حول “العلاج المعجزة”: الوصفات الشعبية أو الأدوية غير المثبتة التي يدّعي مروجوها أنها تغني عن اللقاح أو العلاج الرسمي.
• التضليل حول “مؤامرات المنظمات الدولية”: الادعاء بأن اللقاحات أو المساعدات الصحية هي جزء من مخطط أجنبي ضار، هذا يدمر الثقة ويزرع الكراهية تجاه المنظمات الداعمة.
• التضليل المالي/الاقتصادي: الشائعات بأن المرض ليس خطيرًا وأن الأرقام مبالغ فيها لأجل الحصول على التمويل.
ما رؤيتكم لتعزيز بناء منظومة التعاون بين الإعلام وفرق الوبائيات لتعزيز مصداقية المعلومات الصحية؟
نحن نرى ان الإعلامي كـشريك أساسي خلال الازمات الصحية، وليس مجرد ناقل للخبر. و هذا يتطلب:
• تأسيس “خلية معلومات للازمة” مشتركة: يكون فيها أخصائي الوبائيات (الذي يملك المعلومة الوبائية الموثوقة) جنباً إلى جنب مع الإعلامي (الذي يملك مفتاح صياغة المعلومة الموجهة للجمهور).
• تدريب الإعلاميين على “لغة الوبائيات”: تدريبهم على كيفية قراءة البيانات، والتمييز بين الوباء والانتشار، وكيفية تجنب لغة التضخيم أو التخفيف المبالغ فيه .
• تحديد ناطق اعلامي للازمة: بحيث لا يسمع الجمهور سوى من مصدر واحد موثوق وذو مصداقية في الأزمات.
ما هي أبرز التحديات الصحية التي يواجهها إقليم شرق المتوسط، وكيف أثرت الصراعات الراهنة على المشهد الصحي في دوله؟
يواجه إقليم شرق المتوسط، الممتد من المغرب حتى باكستان، مشهدًا صحيًا بالغ التعقيد، يمكن وصفه بـ “أزمة الأزمات المتشابكة”. يتصدر هذه التحديات الانهيار شبه الكامل للأنظمة الصحية في مناطق النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، كاليمن وسوريا والسودان وقطاع غزة. وقد أدت هذه الصراعات إلى تدمير واسع للبنية التحتية الصحية، وخروج أعداد كبيرة من المستشفيات والمراكز عن الخدمة، بالتوازي مع نزوح وهجرة الكفاءات الطبية، مما خلق فجوة يصعب تعويضها وأدى إلى تسجيل الإقليم النسبة الأعلى عالميًا في الاعتداءات على المرافق والكوادر الصحية.
ويتفاقم هذا الوضع جراء انقطاع سلاسل الإمداد، وصعوبة وصول الأدوية واللقاحات والمستلزمات الحيوية، الأمر الذي أدى إلى عودة تفشي الأمراض السارية التي كانت تحت السيطرة، كالكوليرا وشلل الأطفال. وفي الوقت ذاته، يواجه الإقليم عبئًا مزدوجًا؛ حيث تتزايد معدلات الأمراض غير السارية (كأمراض القلب والسكري والسرطان) نتيجة أنماط الحياة غير الصحية والتغيرات الديمغرافية، مما يرهق الأنظمة الصحية المُجبرة على العمل على عدة جبهات علاجية ووقائية.
إضافة إلى ذلك، تبرز تحديات هيكلية وبيئية عميقة. يتمثل الجانب الهيكلي في ضعف البنية التحتية الأساسية وقلة التمويل، حيث تعتمد دول كثيرة على موازنات محدودة، مما يصعّب التخطيط طويل الأمد ويؤدي إلى عجز متوقع في الكوادر الصحية قد يصل إلى 2.1 مليون عامل بحلول عام 2030. أما التحدي البيئي فيتمثل في التغير المناخي، الذي يساهم في تدهور الأمن الغذائي وانتشار الأمراض المنقولة بالنواقل ، ويزيد من تأثيرات موجات الحر الشديدة على الفئات الهشة.
وفي المحصلة، تزداد معاناة الفئات الأكثر ضعفًا، خاصة في مناطق النزاع، حيث تحرم النساء والأطفال من خدمات الصحة الإنجابية الأساسية. وتتسبب بيئات العنف والحرمان في أزمات عميقة في الصحة النفسية، والتي تُعالج بخدمات محدودة وغير كافية. لذلك، يبقى إحلال السلام هو الشرط الأساسي لأي تعافٍ صحي مستدام، إذ تؤكد المؤشرات العلمية أن الصحة لا يمكن أن تزدهر في بيئة تسودها الحروب وانعدام الأمن.


