12 دقائق للقراءة 2389 كلمة
رنيم غسان خلوف/عوافي
يوثق التحقيق معاناة عاملات تنظيف في مشافي دمشق، يعملن لأكثر من ثماني ساعات يومياً، من دون تأمين اجتماعي أو عقود عمل، في ظل غياب الرقابة على الشركات المتعاقدة مع المشافي من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ووزارة العمل السورية.
كما يرصد التحقيق تهرّب ثلاث شركات خاصة (العاصي، العرعور، ألفاميد) من تأمين 85 عاملة تنظيف يعملن في أربعة مشافٍ حكومية بدمشق؛ هي المجتهد، والكلية، والوطني، والمواساة.
“أنا بحب المشفى كلها، حيطان، وأرض، وعالم”، بهذه الكلمات تختصر عائشة العنيزان (50 عاماً)، ابنة جبل الشيخ، حكاية عقدين قضتهما في أروقة المشفى الوطني الجامعي بدمشق. علاقة لم تقطعها سنوات المرض ولا تغير الظروف.
عند الثامنة صباحاً، تستيقظ بوجه شاحب وظهر منحنٍ وجسد أنهكه السرطان، مستأصلاً ثدييها. ومع ذلك، تمضي إلى عملها في حمّامات العيادات الخارجية، رغم ما أصابها من تعب منهك. تمسك بيدها المتورمة ممسحة مغموسة بالكلور، بلا قفازات تحمي جلدها ولا كمامة تقيها الأبخرة.
تقيم عائشة في غرفة ضمن روضة الأطفال التابعة للمشفى؛ مساحة ضيقة تؤمّن لها الحد الأدنى من المأوى، فيما تواصل يومياً عملها في المكان الذي تقول إنها تحبه بكل ما فيه.
بعد أكثر من عشرين عاماً في العمل، لا تملك عائشة عقداً رسمياً، ولا تأميناً صحياً، ولا تتقاضى الحد الأدنى من الأجور، الذي بالكاد يؤمّن متطلبات البقاء.


الهروب الممنهج!
تدرك عائشة، التي تمضي عامها العشرين في تنظيف المشفى الوطني الجامعي، بعدما عملت مع عدة شركات سابقاً، ولدى “العرعور” حالياً، أن من حقها التسجيل في التأمينات الاجتماعية. لكنّها تصف حالها بالقول: “أنا بعرف إنه مفروض أسجل، بس أنا ضعيفة”.
تعيش عائشة، ومعها عشرات العاملات في مشافي دمشق، تحت سلطة شركات التنظيف الخاصة، من دون تأمين اجتماعي أو صحي يصون حقوقهن عند المرض أو بعد التقاعد. واقع يجردهن من أي شبكة أمان عند أول وعكة، أو بعد آخر يوم عمل.
تتعارض شهادات العاملات مع ما صرّح به المدير التنفيذي لشركة العاصي، حيان عاصي، بقوله: “نرفع كل شهر قائمة بأسماء العمال المياومين للمشفى الفلانية، ورغم أن العمال لا يوقعون عقوداً، نحن نضمن له حقه في التأمينات الاجتماعية، إذا كان عاملاً ملتزماً”.
يعود المدير التنفيذي ليناقض تصريحه، موضحاً في إطار حق الرد: “طبيعة التعاقد في بعض المواقع وفق نظام الفاتورة اليومية، لا تخضع لنظام العقود السنوية الثابتة، التي تتطلب كشوفات شهرية دورية بالشكل التقليدي، وبالتالي تختلف الآلية الإدارية المتبعة عن العقود التي تُلزم بالكشوفات الشهرية”.
في المقابل، أقرّ رضوان صالح، مدير مشروع شركة “العرعور” في مشفى المواساة، بعدم تسجيل جميع العمال في التأمينات الاجتماعية، قائلاً: “لا نسجل سوى العمال الذين يعملون منذ فترة ضمن الشركة، حتى لو تنقلوا بين المشافي، بعضهم يرفض التسجيل كي لا يُخصم من المعاش الشهري”.
يأتي هذا الإقرار رغم أن شركة “العرعور” تُعدّ شركة ناشئة باشرت عملها عام 2025، وفق صالح.
في سياق التحقق من أوضاع العاملات الثماني اللاتي قابلناهن، أظهر البحث في سجلات التأمينات الاجتماعية والعمل عدم وجود أي سجل تأميني لشركة “ألفا ميد”، التي يعمل بها ثلاث من العاملات، رغم أنها مسجلة لدى وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك تحت رقم (100010).
كما تبين انتهاء العقد التأميني لشركة “العاصي” في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قبل أن يُسجّل عقد شركة “العرعور”، المسجلة في وزارة التجارة برقم (103248)، بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2026؛ أي بعد تسعة أيام من انتهاء عقد “العاصي”.
يُلزم قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010، في المادة (47)، وقانون التأمينات الاجتماعية لعام 1959، في المادة (16)، أصحاب العمل بتسجيل جميع العمال في التأمينات الاجتماعية.
تؤكد سهى ديوب، مديرة الشؤون التأمينية في الإدارة العامة للتأمينات الاجتماعية، أن هذه الشركات تعمل وفق نظام التعهد؛ ما يستدعي أن تقدم كشفاً شهرياً للعمال في كل مشفى، مشيرة إلى أن هذه الشركات لم تقدم أي كشف شهري لعمالها في المشافي التي تعمل بها.
تحايل على التوصيف الوظيفي!
تُدرج الشركات عائشة وزميلاتها تحت مسمّى “مياوميات”، توصيف يبدو في ظاهره إدارياً، لكنه يصطدم بأحكام قانون العمل السوري. وتوضح المحامية آلاء شاهين أن “العمل اليومي يعني تقاضي الأجر بشكل يومي، وهو يندرج ضمن قانون العمل في إطار العمل المحدد”.
غير أن الإشكالية، بحسب آلاء، تكمن في غياب نصوص واضحة تنظم أوضاع هذه الفئة، ما يترك مساحة رمادية تُستغل على حساب الحقوق. وتلفت إلى أن صرف الأجور شهرياً، لا يومياً، يغيّر بالتكييف القانوني للعلاقة؛ إذ تنتقل العاملات فعلياً من توصيف العمالة اليومية إلى العمالة الدائمة، بما يترتب على ذلك من التزامات قانونية لا يمكن تجاوزها.
تتقاضى عائشة أجراً شهرياً قدره 700 ألف ليرة سورية (نحو 60 دولاراً)، مقابل ثماني ساعات عمل يومياً، إضافة إلى مهام مسائية أحياناً. تقول: “أول شي بحط الله بين عيوني، وما بخاف من حدا لا أستاذ ولا مراقب، أنا مالي حدا لا أب ولا أم ولا ولد”.
وتتقاضى بعض العاملات مليون ليرة سورية شهرياً (نحو 86 دولاراً)، مقابل العمل 12 ساعة يومياً، بمعدل وردية (نوبة عمل) ونصف، ويخالف ذلك أحكام المادة (111) من قانون العمل السوري، التي تنص على أن يُحتسب العمل الإضافي نهاراً بأجر الساعة، مضافاً إليه 25 في المئة، وليلاً بزيادة 50 في المئة.
غير أن العاملات أكدن عدم تقاضيهن أي زيادات لقاء الساعات الإضافية. في المقابل، أفادت شركتا “العاصي” و”العرعور” بأن الأجور تبلغ 750 ألف ليرة سورية. وأوضح مدير مشروع “العرعور” أن مبلغ 750 ألف ليرة سورية يُدفع مقابل ساعات الدوام الإداري من الثامنة صباحاً حتى الثالثة ظهراً، وأن ساعات العمل الإضافية تُحتسب بشكل منفصل.
وأكدت مديرة الشؤون التأمينية في الإدارة العامة للتأمينات الاجتماعية، وجود مخالفات ترتكبها بعض الشركات؛ منها تسجيل العمال برواتب أقل من أجورهم الفعلية لتخفيض قيمة الاشتراكات المستحقة، أو الامتناع عن تسجيلهم نهائياً، رغم أن حصة الشركة من الاشتراك تبلغ 17 في المئة من قيمة العقد.
تضحك عائشة، لكن ضحكتها تكشف أكثر مما تخفي؛ أسنان أنهكها الإهمال وتحتاج إلى علاج يفوق أضعاف راتبها، وملامح محفورة بتجاعيد تختزن سنوات من الصمت. خلف تلك الابتسامة سيرة تعب طويل لم تروَ تفاصيلها بعد. تقول عائشة: “وقت سقط النظام اشتغلت شهرين ببلاش بالحضانة وما رضيت أروح لعند أهلي”.
حتى العودة إلى أهلها في الريف، على بُعد ساعة من العاصمة، تبدو كلفة إضافية لا طاقة لها بها. فالمواصلات تتطلب نحو 30 ألف ليرة يومياً، أي قرابة 900 ألف ليرة شهرياً (80 دولاراً)؛ مبلغ يتجاوز راتبها بنحو 20 دولاراً. هكذا يصبح البقاء خيارها الوحيد، ليس لأنه الأسهل، بل لأنه الأقل كلفة.
ووفقاً لبيانات البنك الدولي لعام 2025، يُحدّد خط الفقر عند ثلاثة دولارات يومياً؛ ما يعني أن العاملات الـ85 يعشن دونه. فبقسمة راتب 700 ألف ليرة سورية على 30 يوماً، لا يتجاوز الدخل اليومي 23 ألف ليرة، أي نحو 1.9 دولار، وهو رقم يقل عن الحد الأدنى المعتمد، ويضعهن عملياً تحت خط الفقر المدقع.
جهاراً …السلامة المهنية معطلة!
يبدأ نهار عائشة، المصابة بسرطان الثدي، برائحة الكلور؛ تخلط كميات من المعطِّر والكلور في وعاء كبير. تحني ظهرها كثيراً لترفع الوعاء، يتقوّس ظهرها أكثر مما يحتمل، تأخذ نفساً عميقاً، وتهمس: “يا رب”. ومع هذه الكلمة تحمل الوعاء وتمضي به نحو الحمّامات.
ترفض عائشة ارتداء المريول المخصص للعمل قائلة: “إلي أشتغل وأعيش وإلي الله يحميني، عاملة عملية استئصال ثدي واخده جرعات، كنت لابسة الكفوف والكمامة لأنه معي حساسية، ومع هيك بستخدم الكلور والله مقويني، أما المريول قصير وأنا ست كبيرة بالعمر”.
ورغم المخاطر التي تحيط بعمل عائشة، تبدو مهمة بعض زميلاتها في غرف العمليات أكثر خطورة؛ فهنّ على تماس مباشر مع أدوات الجراحة والحقن وبقايا الشاش، ويتعين عليهن جمع أكياس القمامة داخل غرف العمليات، وإزالة الأغطية المستخدمة أثناء الجراحة. ويؤدين هذا العمل وهنّ يرتدين قفازات عادية خفيفة، ولباساً بسيطاً يشبه زيّ الأطباء في العمليات، إلى جانب قناع عادي غير مبطّن.
يشير الدكتور محمد هاشم، مدير الصحة والسلامة المهنية في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، إلى أن مرضى السرطان يُعاملون وفقاً للمرسوم 346 لعام 2006 الخاص بالأعمال الشاقة والخطرة. ويوضح أنه إذا ثبت ارتباط الإصابة بالسرطان بطبيعة المهنة، يُسرَّح العامل تسريحاً صحياً مع احتفاظه بحقوقه التأمينية. وبناء على ذلك، لو شُخّصت إصابة عائشة طبقاً للمرسوم كـ”سرطان مهني” فيجب أن تحصل على تسريح صحي، يضمن لها حقوقاً تأمينية تكفل لها حياة كريمة”.
وفيما يتعلق بالأمراض المزمنة، مثل التلاسيما والروماتيزم والحساسية، يوضح الدكتور هاشم: “يحق لصاحب العمل أن يُشغّل عمالاً بأمراض مزمنة مثل التلاسميا والروماتيزم، شريطة أن تكون مناسبة لأمراضهم، ولا يتكفل إذا كانوا مصابين قبل بدء العمل”.
ولم يُطلب من العاملات الثماني تقديم أي وثيقة طبية لشركات التنظيف تثبت وضعهن الصحي، في مخالفة لمتطلبات قانون التأمينات رقم 92 لعام 1959، الذي يُلزم أصحاب العمل في مختلف القطاعات بإجراء فحص طبي دوري لعماله المعرضين للإصابة بأحد الأمراض المهنية، للتأكد من ملاءمة حالتهم الصحية لطبيعة العمل.
يُقر الدكتور هاشم بأنه خلال الجولات التفتيشية على المشافي، رُصدت عاملات يعملن من دون الحد الأدنى من وسائل الحماية والسلامة المهنية، في مخالفة لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (155) لعام 1981، التي صادقت عليها سوريا في 19 أيار/مايو 2009.
وتنص الاتفاقية في المادة 16 علي أن “يوفر أصحاب الأعمال ما يكفي من الملابس الواقية والمعدات الواقية التي تمكّن، قدر الإمكان، من تفادي خطر الحوادث أو الآثار الضارّة بالصحة”. وبذلك تُحرم عاملات التنظيف عملياً من وسائل حماية أساسية؛ مثل الأقنعة السميكة والنظارات الواقية المناسبة لمخاطر العمل بالكلور.

